الخميس، 23 يونيو، 2011

اسطنبول 13



كان حولها البشر يمشون ويقفون يتكلمون ويبتسمون منهم الغافل عن الطريق منهم من يتكلم في هاتفه المحمول منهم من يسير مسرعا منهم العبوس ومنهم السعيد وكعادتها جالسة في نفس المكان تراقب الناس كانت تأتي الى الميدان يوميا ليس لأنها تعمل بالمجمع وليس لأنها تحب الميدان ولكن شعورها القاتل بالوحدة يجعلها دوما تأتي هنا لتجلس بين اكبر بقعة بها حركة في مصر تراقب الموظفين والمواطنين والطلبة حولها فتشعر بالامان
كانت قد تخطت حاجز الستين منذ سنوات وخوفها الدائم من ان تموت في شقتها فلا يشعر بها احد لانها منطوية ذلك الانطواء الذي جعلها بدون اصدقاء او اهل  مما حثها عن مراقبة البشر فقط
في الايام الماضية حين كانت تأتي للميدان كانت هناك ثورة وازدحام شديد كانت تأتي ليس ايمانا منها بالثورة بل لانها اعتادت ان تقبع في مكانها هذا وهو روتين الحياة الذي تعودت عليه لم تهتم كثيرا بهتافهم او تفهم لماذا يثورون بل كانت تريد ان تبقى بين الناس حتى ان ماتت وجدت من يدفنها تجلس هنا يوميا تراقب ايام عمرها تسقط ورقة وراء ورقة كانها شجرة يابسة
ليس لها رصيد في الحياة الا ذكرى والدتها
والدتها ذات الاصول التركية سليلة البشوات كانت دوما تحدثها عن جدها الباشا وقصوره واطيانه واراضيه حتى قامت ثورة يوليو وجاء عبد الناصر فامم البلد واخذ اراضيهم كانت تسمي تلك الثورة بالسرقة لانها سرقتهم ولم تبق او تذر من ممتلكاتهم
كانت حكمت لديها اربعة اعوام  حين حدث ما حدث لا تعرف ولا تفهم ولا تفقه ما يحدث حولها
ورحل الباشا خارج البلاد هربا يحمل ما تبقى من ثروته تاركا ابنته تعاني وحدها مع زوجها وابنتها تغيرت معاملة اباها لوالدتها بعد ان فقدت كل ممتلكاتها وهجرها  نعم فما كان زواجه الا عن طمع في تلك الممتلكات
ومرت الاعوام قاسية على حكمت وامها وكل يوم تزرع  في قلب ابنتها ان الثورة والمصريين قد نهبونا وهم السبب في كارثة الحياة التي نواجهها وحيدتين
 تكاد تذكر حكمت كيف كانت فرحة امها وضحكاتها المتواصلة حين انتكس الجيش المصري في 67 كانت تقول ان هذا ذنبنا يا ناصر اصولها التركية المتعمقة واحساسها بالاهانة والضياع انساها من هو العدو الحقيقي ولكنها لم يكن يعنيها من العدو منذ متى وهي وطنية هي سليلة البشوات كانت تعيش بالقصور لا تعرف غير دعة الحياة لا تفهم ماذا تعني اسرائيل لكنها تعرف ماذا يعني ناصر
زرعت في روح ابنتها ان الرجال لا يحبون النساء انما يتزوجهن طمعا سواء في الحسب والنسب او الجمال لذلك رفضت الام كل خطاب ابنتها تاركة اياها بلا زوج حتى من رضيت به حكمت وطلبت من امها ان توافق عليه قالت لها لا يوجد شيء في مصر اسمه حب فقط طمع وان الرجال في مصر انتهوا قديما ولم يبق منهم احد
بينما يمر ذلك الشريط امام عينيها وتشعر بامها تحدثها وتخاطبها لتزرع بداخلها تلك المشاعر الغريبة وجدته نعم وجدت المعطف ملقى على اطراف الطريق حملته ونظفته واعاد اليه ذكرى اخرى ذكرى حين كانت امها دوما تخرج لها ذلك المعطف الذي اعطته جدتها لها في المرة الوحيدة التي زارت فيها اسطنبول وكانت تحدثها كيف توسلت لضابط الحراسة ان يتركه لها قائلة انه هدية غالية علي من جدتي
كانت كل يوم تخرج المعطف وتشم رائحته الذكية لكي تتذكر ايام صباها وسعادتها وتحدث حكمت عنها نعم حدثت حكمت عن اسطنبول وعن روعة اسطنبول وعن جمالها الدائم وان اسطنبول هي ام الدنيا الحقيقية وهي جنة الله في ارضه وهناك اهلها الحقيقيون ولم تكن لتشعر بالوحدة هناك سألتها حكمت : لماذا لم ترحلين مع جدي الى هناك
الام : من اجلك انت بقيت
حكمت: هل انا اهم لديك من اسطنبول
الام : بالتاكيد
حكمت : كم احبك يا اماه اتمنى ان يكون لدينا المال في احدى الايام لنعود لاسطنبول
والآن بعد ان وجدت المعطف وان لم يكن هو نفس المعطف لكن يشبهه الى حد كبير اعاد اليها تلك الذكرى حين باعت امها معطفها الاسطنبولي حين مرضت حكمت مرضا شديدا ولم يكن لديها المال لعلاجها كانت تشعر بحسرة امها وهي تبيع المعطف ولكنها اهم عندها من اسطنبول
ارتدت المعطف كمن يرتدي الذكريات ويحاول ان يملأ انفاسه منها ولا يعود للحياة امسكت بتلابيب المعطف كأن الجو قارص البرودة بالرغم انه كان يوما حارا من ايام القاهرة بدأت تشعر انها في اسطنبول ويتجسد عليها  ما قصته لها والدتها
رأت قصرا منيفا يجاور البحر الازرق الصافي  رأت الكثير من الخدم يسهرون لراحتها  ويفعلون ما تأمرهم به رأت الموائد والولائم والحفلات  رأت رجال اسطنبول كما كانت تحلم بهم دائما فالرجال في مصر قد ماتوا منذ القدم ولا يوجد رجال الا في اسطنبول هكذا قالت لها والدتها رأت بينهم فارس احلامها الذي ستمنح له نفسها بعد ان صارت مجرد دمية بلا قلب او روح في مصر ستجد قلبها في اسطنبول  رأت اخيرا امها تضحك بعد ان فارقتها ضحكتها امدا بعيدا شعرت بالسعادة والهناء والمعطف يملا جسدها سرور وحبور فتضمه اكثر على صدرها وانتشت حتى غابت عن الوعي فسقطت من على الاريكة الجالسة عليها في الميدان
فرآها بعض الشباب الذين تعودوا ان يأتوا يوميا للميدان كي ينعشوا ذاكرتهم بالثورة ويبقون يحيون مجد تلك الايام نظر الشباب بعضهم الى بعض هل يعرفها احدكم ؟
قال احدهم : نعم كنت اراها كل ايام الثورة تأتي للميدان كما انه بعد ان هدأت الامور كانت تأتي وتجلس هنا بالساعات
- اذن هي ثورجية والله لن نتركها حتى تقوم بالسلامة
تعجب الشباب من ذلك المعطف الذي يغطي جسدها في ذلك اليوم الحار فموجة الحر تجتاح البلاد فنزعوا عنها المعطف وحاولوا ان يعيدوا لها التنفس حتى اتت سيارة الاسعاف
وحملوها الى المستشفى وذهبوا جميعا معها وحين فتحت عينيها ووجدتهم سألتهم : من انتم و اين انا؟
- نحن ابناؤك  وانتي في المستشفى
نظرت اليها احدى الفتيات قائلة : اماه الا تعلمين ان ارواح المصريين اصبحت باهظة الثمن ولن ندعها ترحل بسهولة مادمنا نستطيع حمايتها
كانت حكمت تستمع لهذه الكلمات كأنها تسمعها لاول مرة لم يخاطبها احد باماه من قبل ولم تعرف انها مصرية ولم تشعر بمصريتها ابدا ففكرتها عن مصر انها بلد الرجل الواحد الاوحد قديما كانت مصر ناصر فاصبحت مصر السادات ثم اخيرا مصر مبارك
ان اختلفوا في بعض الفروع فقد اتحدوا في اساليب القمع والديكتاتورية حتى انها لم تشعر بذلك الفارق عن مصر في كل حين  لكن تسمع ان بعض الناس يفضلون ايام ناصر وبعضهم يفضلون ايام السادات لكن الغالبية العظمى تكره مبارك دون ان تعرف سبب كل ذلك فهي لا تغادر حياتها الخاصة ولا تهتم بشئون الناس  فقط تراقبهم فلا يعنيها ذلك في شيء
لكنهم الآن يقولون ان روحها باهظة الثمن وهذا كلام خطير وغريب لم تشعر ابدا ان روحها باهظة الثمن الا الآن
نظرت الى الفتاة قائلة : شكرا لك يا بنيتي اخيرا أشعر بأن هناك من يهتم بي
ابتسمت الفتاة قائلة : كلنا نهتم بك يا اماه لكن اخبريني كيف ترتدين مثل هذا المعطف في ذلك الجو الحار
انتبهت اخيرا الى ان المعطف ليس موجود  فسالت عنه اخبروها انهم نسوه ملقى على ارض الميدان وسيذهبون للبحث عنه والاتيان به
لكنها استوقفتهم قائلة : دعوه ربما يجد ملاذه الحقيقي ويدخل السعادة في حياة احدهم
اغمضت عيناها هذه المرة لم تحلم بانها تلهو بالقرب من مضيق البوسفور ولا انها تزور  أيا صوفيا مع فارس احلامها  ولا انها تملك القصور المترامية في كل ارجاء المدينة لم تحلم بوالدتها تضحك وتبتسم فقط حلمت بشيء آخر حلمت بانها جالسة على الكورنيش تتأمل النيل الصافي كقلوب الشباب الصافية الذين يعيشون على ضفتيه


بقلم الكاتب الرائع مصطفى سيف

الأربعاء، 8 يونيو، 2011

مقبرة الأحلام 12

خرج عبد الرحيم من ميدان التحرير تتقاذفه الذكريات تلح عليه اغنية عبد الحليم حافظ ميتى اشوفك  يا غايب عن عينى و حشانى الغربة و الله و بعادك عن عينى كانما كتبت عليه الغربة و البعد عن الحبيبة  زادت غربته على غربته ايام الدراسة فى الجامعة فهو من بلدة صغيرة  فى نقادة بقنا ابيه مزارع بسيط و لكنه حرص على تعليمه رغم قلة دخله اثرت الطبيعة الموجودة بالصعيد على ملامحه اكتسب سمار الوجه من اشعة الشمس و الطول الفارع من النخيل و النحافة من عيدان القصب ذهب الى اسيوط ليتلقى تعليمه تعرف اثناء ذهابه على فتاة من بلدته اسمها طاهرة فتاة لونها بلون سنابل القمح تشع بهجة على من حولها خفق قلبه لها من الوهلة الاولى تعرف عليها تبادلوا النظرات و لكن طبقا لتقاليد الصعيد لم يستطع البوح عن ما يكن به قلبه لكن تبادلت عيونهم الحديث الهامس  و تناقلت قلوبهم  قصائد عشق تتخطى ما ابدعه عنتر بن شداد و نزار القبانى و فاروق جويدة  بمجرد تخرجه سارع بالتقدم لها وافق اهلها فهو من المشهود له فى البلدة هو و والده بالسمعة الحسنة لم يطلبوا الكثير لم يطلبوا شبكة او مهر فقط طلبوا ما يستر بنتهم شقة بسيطة مجهزة باثاث بسيط حاول الحصول على عمل و لكن من اين ياتى بالعمل فى محافظة بعيدة نائية الارض الزراعية بها محدودة و المصانع محدودة تكاد تنحصر فى مصنعين من يعمل بهم يصبح من علية القوم بمحافظته احلامه كثيرة و بسيطة و لكن يده مغلولة يريد ان يقترب ممن يحبها و لكن اصبح مكتوبا عليه انه لكى يقترب يجب عليه ان يبعد و يغترب و لم يكن امامه خيار سوى الرحيل الى القاهرة

شد عبد الرحيم رحاله الى القاهرة ناسيا احلامه و مؤهله لا يتذكر سوى هدفا واحدا هو شقة صغيرة تجمعه على من يحب اتصل باحد اقاربه يعمل بالعاشر من رمضان قابله و الحقه بعمل باحدى شركات المقاولات عمل شاق جدا و رغم انه صعيدى الا انه لم يستطع التاقلم على العمل الشاق لانه طوال حياته كان يدرس و لم يتمرن على تلك الاعمال  فاضطر الى الانتقال الى العمل بمخازن الشركة بمرتب اقل يكاد يصل الى النصف تقبل عبد الرحيم العمل و لكن الايام تمر دون بصيص من الامل و قاطرة الحياة تسير دون ان تصل الى  تحقيق الحلم بل كادت ان تنتهى من محطاتها  كم تمنى و هو جالس فى حجرته المشتركة بالقاهرة ان يختلس بعض النظرات من عين حبيبته ان يربت على كتفه والده بيده الحانية ان يتبادل الضحك و القفشات مع اصدقائه بالبلدة وهم يجلسون على ضوء القمر على راس الحقول يمصون القصب ان يرتمى فى حضن والدته كم يشتاق لتعد له طاجن ساخن به ثلاث بيضات مع رغيف من الخبز الشمسى
او تتصاعد احلامه فيحلم  بطبق من الويكا بجانبه قطعة لحم او طبق سخينة يا لها من غربة يا لها من انياب تأكل احلى سنوات عمره و تفترس احلامه
 لطالما حلمت بكى يا قاهرة و حلمت باضوائك المبهرة و بليلك الجميل حلمت ان امشى انا و طاهرة على النيل تخيلت ان النيل هنا يختلف عن النيل بقنا حلمت ان اذهب الى سينما ان اسير انا و طاهرة فى وسط القاهرة نشاهد المحلات و اشترى لها ملابس فستان و معطف ثمين تتباهى به و بى فى البلدة  ما اصعبها احلام حتى عندما قامت الثورة لم استطيع ان اشارك من اين لى بالوقت البحث عن الحرية ام البحث عن لقمة العيش و الستر يا لها من معادلة صعبة تكاد تتساوى او تميل الى الطرف الثانى لكن استطعت ان اختلس ساعات قليلة  و النزول الى التحرير مجرد شعور بالتنفس بانى مازلت احيا ما اقسى ان تعيش على هامش الحياة بجدار سميك يعزلك عن احلامك البسيطة يكمم فمك و يصم اذنك و يسد انفك و يضحك عليك و يسخر منك بمحاولة اقناعك انك تحيا

و بينما تتدافع الذكريات اليه وجد معطفا ملقى على الارض يا له من معطف جميل كم حلمت ان اهدى معطفا الى طاهرة ستفرح به كثيرا سترقص من الفرح احتضن المعطف و سرح بخياله شاهدها و هى ترتديه انها اجمل فتاة فى عيونه و لكن اه من لكن باى وجه سيهديها معطفا و هو لم يتقدم قيد انملة فى طريقه لتجهيز الشقة كيف ستنظر اليه ايهما تحلم و تنتظر  تنتظر معطفا ثمينا ام تنتظر غرفة صغيرة تضمهم هل هذا كثير مشى بعينيه شاردا ناظرا الى السماء مبتعدا عن النيل بينما المعطف يتسرب من بين اصابعه و يسقط على الارض دون ان يشعر مثلما تتسرب منه الحياة رويدا رويدا  


                                      بقلم الكاتب المبدع إبراهيم رزق

الأربعاء، 1 يونيو، 2011

الشاطر حسن و ست الحسن و الجمال 11

بعد خطاب التنحى طار حسن من الفرحة و احتضن كل من يقابله احضان حميمية دون ان يرى وجوههم لكنه يعرفهم من رائحة عرقهم التى طالما اذكت انفه طوال ايام الثورة يعرفهم من صدق مشاعرهم يعرفهم من كسرات الخبز التى اقتسمها معهم بعد قليل تغيرت اشكال الوجوه وجوه سعيدة جاءت لتحتفل و لكنها ليست تلك الوجوه التى القى براسه بجانبها و هم يتلحفون السماء احس فجاة انه يشتاق الى حضن امه تذكر انه لم يشتاق طوال المدة التى قضاها فى التحرير الى حضنها رغم تعلقه المرضى بها ربما لانه كان فى احضان ام اكبر رجع الى منزله فتح الباب فوجد امه تجلس على سجادة صلاتها تناجى ربها ركع بجوارها و بعد ان انهت صلاتها و تسليمها وجدت نفسها بين احضانه اه يا حسن كيف اتيت بهذه القسوة لماذا لم ترحم مشاعرى لم تكن ابدا قاسيا لكن بمثل ما ادميت شريان قلبى بمثل ما اعدت الدماء الى عروقى فخرا و فرحا بك

دخل حسن الى الحمام ليستحم و لكنه وقف برهة لا يريد ان يستحم يريد ان يحنفظ بغبار التحرير الذى يحيط بوجهه بحيث يكاد ان يغطيه يريد ان يحتفظ برائحة عرقه التى اختلطت برائحة رفقاء الدرب لكنه فى النهاية استسلم لقطرات المياه التى نزلت على جسمه كانها تزيل ذكريات من احلى ذكرياته
خرج من الحمام وجد امه قد اعدت له الطعام كم اشتاق لطعام امه رغم بساطته كم اشتاق لكوب شاى كم اشتاق لصينية كنافة عادية و لكنها فى فمه اجمل و فى عينه افخر من كل الحلويات السويسرية والفرنسية تناول طعامه بنهم ثم دخل الى غرفته
القى بجسمه على السرير والقت الذكريات ثقلها عليه  هو لم يقصر طوال حياته عاش مجتهدا منذ طفولته و هو يعمل بجانب تعلمه يعطف على الكبير و الصغير متفوق من اوائل الثانوية العامة كان امامه كل كليات القمة و لكنه اختار كلية العلوم حلمه الذى كان يحلم به تفوق بها و بعد تخرجه رتب نفسه على تعينه معيدا بها و لكنه نسى فى نشوة حلمه ان الكلية التى تعلم بها ورثت كما ورث كل شىء بمصر جاءوا بمعيد من احدى الجامعات الخاصة عن طريق التعيين ابن احد المهمين بالكلية استسلم لواقعه فهو مسالم لاقصى درجة و حاول ان يتعين فى احد المراكز البحثية لتخصصه لكنه لم يستطع لانه انسان بسيط ابن رجل بسيط يعيش فى منطقة شعبية و عين من نجح بمقبول لم يستسلم للاحباط حاول ان يكمل دراسته بنفسه و لكن من اين سياتى بمصاريف الكتب و المراجع و مصاريف التقدم للدراسة يكفى ابيه وصوله الى هذه المرحلة لم يعد يتحمل نظرات الشفقة من ابيه كانها احجار تصيبه دون ان تنزف  دما لم يعد يتحمل نظرات من خفق قلبه بها اسر ان يضحى بحبيبته و لكن كيف ان يضحى بابيه 
لذلك مع بداية الثورة بدء الحلم فى العودة اليه الحلم بست الحسن و الجمال الحلم بوطن يسكن به و يسكن بداخله الحلم بحبيبة يسكن لها و تسكن له الحلم بأب يستند عليه و يستند به الحلم الاكبر بام تحتضنه لذلك نزل الى الثورة و كان شعاره لا نجوت أن نجا لا نجوت أن نجا الحلم امامه يكاد ان تمسكه انامله لذلك استدعى كل شموخه و عزته و نضاله من اجل القبض على الحلم الهارب الذى ظن انه لقى مصرعه اثناء هروبه ولم يعد يحلم به لانه احس انه قضبان يسجن خلفها بدلا من طائر يطير به اصبح قيودا تقيده بدلا من طاقة تدفعه اصبح احزان تخنقه بدلا من فرحة تسعد فلبه

انقطع حسن عن التحرير فترة من الزمن جلس امام التلفزيون يشاهد وجوها تتكلم عن الثورة لم يشاهدها فى التحرير ابدا ربما مرت مرة او جاءت بزيارة عابرة لكنها لم تفترش الارض لم تتعرض للموت لم تفقد عينها او كسرت قدمها يا الله من يتحدث عن من لم يذكر احد حسن او من نام بجانبى لم يحمل احد منهم شهيد او مصاب و اختلط دماءه بدمه لم يشاهد الاطباء و الطبيبات الذين كانوا يعملون داخل اخيام تمنى من شدة اهتمامهم بالمرضى ان تصبح كل مستشفيات مصر من الخيام لم يشاهد و لم يشاهد و لم يشاهد

فكر حسن فى العودة الى التحرير لعله يلتقى ببعض الاشياء التى افتقدها  احس بالغربة من الوهلة الاولى  يا الله اهذا هو التحرير الذى تركته ما هذا الذى اشاهده هناك باعة يبيعون كبدة و سمين و سجائر و اعلام و كشرى و بوسترات و قمصان و تمر هندى و عرقسوس و مياه غازية
و هناك باعة يبيعون الوهم و النصب و الكلام و يشترون مصالح شخصية و مكاسب اعلامية على حساب دم الشهداء شاهد من يرفعون المصحف و شاهد من يمسك بصليب كل هذا المشاهد لم يكن يشاهدها زادت غربته نظر الى السماء هل هذه السماء التى تلفحت بها اين الوجوه التى اعرفها اين الرائحة التى احبها لم يستطع حسن الوقوف اكثر من ذلك فهم فى الرحيل لكنه افاق على صوت يناديه حسن التفت الى الصوت الذى يناديه وجده امامه
يقول له الا تصدق انى امامك انا اقف امامك منذ فترة طويلة انظر الى عينيك واراك تبحث عنى مع انى اقف امامك
نظر حسن لها و قال كنتى حلمى و الان لم تعودى حلمى  
قالت له ما الذى تغير فى يا حسن
قال اصبحتى ترتدين معطفا غاليا لم يكن حلمى ان ترتديه فى يوم من الايام  و لااستطيع ان اشتريه و اصبح يغطى  وجهك كثير من المساحيق التى تخفى ملامحك التى تعودت عليها و تزيد من غربتى احس بالحواجز ترتفع بينى و بينك لدرجة انى اكاد لا اعرفك مع أن وجهك كان رفيقى و خليلى و نديمى طوال السنوات الماضية ليتك تركتينى مع صورتك القديمة لعللها تؤنسنى فى غربتى حتى تلك الصورة حرمت منها لم تعودى حلمى البسيط
تركها و خرج خارج الميدان يترجل بجوار النيل فوجىء بيد تمسك بيده نظر لها وابتسم لها و ابتسمت له لقد تخلصت من المعطف و غسلت و جهها من المساحيق اصبحت فى عينيه ست الحسن و الجمال مشى معها ينظرون الى النيل  يكادوا يلقوا انفسهم به من كثرة الشوق اليه لم يعد غيره شاهدا على قصتهم  تاركين المعطف ملقى خلفهم.



                   بقلم الكاتب المميز إبراهيم رزق