الخميس، 8 مارس، 2012

معطف من القيود (37)










"لابد أن ينهدم هذا السور..لابد..لابد، لابد أن أخرج..لابد..لابد"


كان حلمى يسير بعزم متقدما نحو السور الحديدى العالى و هويردد هذه الكلمات فى داخله حتى وصل إلى البوابة لاهثا لكنه تحدى قواه المنهكة و دخل إلى حجرة الحراس المجاورة للبوابة فذعر الحارس الجالس بداخلها خلف مكتب صغير فى زيه بدرجتى اللون الأزرق و قفز واقفا و هو يسأله:




- ماذا تفعل، كيف جئت إلى هن.. 


لكن الكلمة توقفت فى حلقه حين أمسك حلمى بذراعه بقوة لم يعلم كيف دبت فيه، و غرس فيها تلك الحقنة التى تحمل بداخلها دواء شفافا ثم دفع الحارس إلى كرسى فى ركن الحجرة وو ضع يديه داخل جيبيه و هو يراقبه لدقائق حتى تراخى جسمه و إنطبقت جفونه، عندها أخذ مجموعة المفاتيح الملقاة على المكتب و خرج ثم أغلق باب الحجرة على الحارس و جرب مجموعة من المفاتيح على الأقفال الثلاثة الضخمة التى تغلق البوابة الحديدية حتى فتحها جميعا، ثم خرج و أحكم إغلاقها و إنطلق إلى الطريق بأقصى ما يستطيعه من سرعة.




سار عبد الحميد لمسافة طويلة حتى تقطعت أنفاسه فتوقف لفترة ينتظر أن يمر أى تاكسى أو سيارة و هو فى شدة القلق، فربما يكون الحارس قد أفاق و أبلغ عن هروبه و يجئ من يمسك به و يعيده، تضاعف قلقه عندما سمع صوت سيارة شرطة فى شارع مجاور لكن الصوت إبتعد و لم يحدث شئ ثم مرت سيارة تاكسى فأشار إليها و ركبها مسرعا و هو يقول: 


-شبرا الخيمة يا أسطى سمحت





نظر إليه السائق مشمئزا من الكلمة المنقرضة التى إستعملها حلمى لمناداته، فرد عليه حلمى بنظرة إستغراب، فهو لم يركب تاكسى بمفرده و يضطر أن يعطى التعليمات للسائق منذ أكثر من ثلاثين عاما عندما إقتنى سيارته الأولى فى السعودية التى عمل فيها طبيبا لبضع سنوات ثم غادرها إلى أمريكا ليدرس و يتخصص فى جراحة التجميل قبل أن يعود إلى مصر و يصبح أشهر جراحى التجميل الذى تتزاحم على عياداته سيدات المجتمع و الفنانات ليحجزن المواعيد معه قبلها بشهور. 


تحركت السيارة بسرعة فى الشوارع الخالية المعتمة فبدأ حلمى فى الاسترخاء تدريجيا بعد يوم عصيب حتى كاد أن يستسلم للنوم لكن السيارة توقفت فقد وصل إلى هدفه حيث يفترض أن يجد سيارة تقله إلى الطريق الزراعى، نزل حلمى يبحث عن سيارة أخرى لكن ساقيه أعلنتا التمرد و أمسك بهما ألم مبرح، فجلس على مقعد خشبى كبير يتوسط حديقة صغيرة على جانب الطريق ليستريح قليلا فإمتد الألم إلى ظهره و أجبره على أن يمدد جسمه على خشب المقعد الصلب آملا فى بعض الراحة. 


كان البرد شديدا و أحس حلمى برعدة تشمل جسده كله فلف ذراعيه حول جسده و أخذته الذكرى إلى ذراعيها هى، سلوى، التى إستكثرها عليه إبنه فضن عليه بالسعادة فى أواخر عمره و ما كان أحوجه إليها، تسللت دمعتان على وجهه المغضن فمسحهما بيديه و خفق قلبه و هو يتذكر عندما أخبرها مازحا يوما أنه سيحقنه بالبوتوكس ليخفف من آثار السنين فردت عليه و هى تتحسس وجهه: 



- لا تفعل ذلك أرجوك، أحب كل شئ فيك، حتى هذه التجاعيد، أنت كبير و أنا كبيرة و لن ننكر سنواتنا فقد جعلتنا ما نحن عليه الآن.


أطبقت الذكرى على حلمى فإهتز جسده كله فى نوبة بكاء عنيفة أنهكت ما بقى من قواه و إشتد عليه البرد فتلفت حوله ليجد معطفا ثقيلا من قماش فاخر ملقى على الأرض، مسح المكان حوله بعينيه فلم يجد أحدا، من أين أتى هذا المعطف؟ هل نسته صاحبته هنا و ستعود لأخذه؟ لابد أن أنها تشعر بالبرد الشديد بعد أن تخلت عنه،، إشتدت رعدة جسده المبترد فأخذ المعطف و إلتف به و تمدد على المقعد الخشبى ثانية و قد بدأ الدفء يغزوه فإستسلم للنوم تدريجيا و شريط حياته يمر بذهنه منذ سنوات طفولته الأولى التى قضاها فى أسرة سعيدة متوسطة الحال، و دراسته فى كلية الطب التى أنهاها بتفوق ثم زواجه من عايدة بطريقة تقليدية تماما، كان الوقت فى ستينات القرن الماضى و اغانى عبد الحليم حافظ و أم كلثوم و أفلام الأبيض و الأسود تضخ الرومانسية فى المجتمع المصرى، و كل أصدقاء حلمى يعيشون قصص حب منها ما إنتهى بالزواج و منها ما إنتهى بغيره، لكنه كان مختلفا، لم تجتذب نظره أية فتاة، فقد كان مشغولا دائما بالمذاكرة و تسيطر عليه الرغبة فى التميز و النجاح، كان طموحا و كان الطموح فى تلك الفترة هو ما يقود حياته كلها، لكنه أيضا كان إبنا بارا محبا لوالديه و هكذا فقد إستمع لرأى أبيه عندما قال أن وقت زواجه قد حان، و إستمع لرأى أمه عندما إختارت له عايدة فذهب لرؤيتها و أعجبته، كما تعجب أى شابة جميلة أُحسن تنشئتها شابا فى سنه يريد أن يرضى أهله و يتزوج حتى "يهدأ باله و يتفرغ لعمله" جملة لم يقتنع بها فلم يكن هناك ما يقلقه و لم يكن يسعى وراء النساء أو يهتم بهن فى تلك الفترة، و لكنه فعل ما يرغب به أهله، فهو الصحيح و هو ما تحث عليه الأديان.


تزوج حلمى من عايدة و تعود عليها و أحبها كما أحبها كل من عرفها لهدوء طبعها و معاملتها الحسنة و تفانيها فى بيتها، و سريعا جاء الأبن الوحيد أحمد، ثم البنات هادية و علياء و منى، حينها ضج حلمى من عمله الهادئ فى أحد مستشفيات وزارة الصحة، و عيادته التى أنشأها منذ سنوات بعد حصوه على الماجستير فى الجراحة و كان الوقت فى أوائل السبعينات حين حزم أسرته و آماله إلى السعودية ليعمل طبيبا فى أحد المستشفيات الحكومية لسنوات قليلة إحتك فيها بالأطباء الأجانب الذين يأتون لإجراء جرحات متخصصة و قرر أنه يريد أن يكمل دراسته بالخارج و كان حظه حسنا حين إلتقى بجراح تجميل أمريكى كبير رأى فيه موهبة فى جراحة التجميل عندما ساعده فى جراحة كبيرة، فوفر له منحة لدراسة الدكتوراة فى الجامعة التى يدرس بها، و سافر حلمى إلى أمريكا حاملا طموحه و رؤيته للمستقبل و لحقت به عايدة و الأولاد بعد شهور قليلة ليعيشوا هناك لسنوات أنم فيها دراسة الدكتوراه و عمل فى أكثر من مستشفى مرموق و تدرج الأولاد فى دراستهم و بدا أن الأمور ستئول إلى الإستقرار فى الغربة لولا أن عايدة لم تتأقلم جيدا هناك، فهى الوحيدة التى لا تخرج من البيت صباحا فالكل يذهب إلى العمل أو المدرسة أما هى فتبقى فى البيت و لا تخرج إلا قليلا من الأمسيات مع الأسرة و زاد من وحدتها أن المكان الذى عاشوا فيه كان فيه القليل جدا من المصريين و العرب، و بدأت عايدة تذوى بالتدريج و تنطفئ روحها حتى قرر حلمى أن يعود إلى مصر أخيرا إكراما لشريكة عمره و خوفا على أبنائه الذين دخلوا سن المراهقة من تأثير المجتمع الأمريكى. 


كان الوقت فى منتصف الثمانينات حين عادت الأسرة إلى مصر وسط تذمر الأبناء و إفتتح حلمى عيادته التى صارت شهيرة فيما بعد، فى شارع شريف بقلب القاهرة و بدأ إسمه يلمع فى أوساط المجتمع الراقى بعد جراحة أجراها لزوجة رجل أعمال شهير تشوه وجهها تماما فى حادث سيارة لكن الجراحة أعادته أكثر شبابا مما كان، و راج حال عيادته كثيرا فأنشأ مستشفى كبيرا للتجميل فى أرقى مناطق القاهرة، و أصبح مشغولا جدا بإجراء الجراحات فى المستشفى و عمليات التجميل البسيطة فى العيادة و مرت أكثر من عشر سنوات دخلت به إلى منتصف التسعينات و هو منهمك و مشغول و قد صار وجها شهيرا من وجوه المجتمع يحضر حفلات المجتمع الراقى و حفلات الفنانين التى يكرهها لكنه يحضرها لمجاملة عملائه الأساسيين و تحضرها معه عايدة التى تخلت عن طبعها الهادئ خوفا على زوجها من عميلاته اللاتى صنع جمالهن بيديه و يا له من صانع ماهر.

لكن عايدة لم تكن بخير، إشتكت من ألم بدأ عارضا ثم إستمرو أخذها حلمى إلى أكثر من طبيب فى تخصصات مختلفة حتى تم تشخيص إصابتها بالسرطان فى مرحلة متقدمة، و مر عام فى علاجات مختلفة و حلمى يقضى كل دقيقة فراغ لديه بجانب فراشها يطعمها بيديه بدلا من الممرضة و يعطيها الأدوية لو تصادف وجوده فى مواعيدها رغم الممرضتين اللتين كانت تلازمانها فى البيت طوال اليوم فى ورديتين متصلتين، و لكن عايدة ماتت بعد عذاب شديد من الآم المرض الكاوية و لم تنقذها دموع أبنائها أو حسرة حلمى و لوعته أو دعاء كل من عرفها، ماتت عايدة فدخلت الأسرة فى حالة من الصدمة المكتومة حتى الأحفاد أبناء البنات الذين لم يتجاوز أكبرهم الأعوام الأربعة قل كلامهم و لعبهم و كأنهم يفتقدون روح الجدة الحبيبة. 

كانت تسعينات القرن الماضى توشك على الإنتهاء حين رحلت عايدة فدخل حلمى فى إكتئاب لشهور حتى كاد أن يغلق عيادته و مستشفاه لولا أن بدأ فى تعاطى مضادات الإكتئاب تحت إشراف طبيب نفسى، و أجل أحمد مشروع زواجه لشهور حزنا على أمه ثم أتمه، و بدا أن الأسرة تخرج من محنتها و تعود أمورها للإزدهار، فأحمد يعمل طبيبا فى مستشفى والده و يستعد للسفر بعد شهور إلى أمريكا للسير على خطى حلمى الذى لم يدخر مالا أو وسعا فى سبيل تعليم إبنه الوحيد، و البنات الثلاث يعملن فى وظائف مرموقة دبرها لهن أبيهن و متزوجات من رجال يقدرونهن و لهن أبناء يسعدون كل من يراهم، و لم يكتف حلمى بكل هذا فقد كان أبا عاشقا لأولاده، بل خص أحمد و البنات بعدد من العقارات وودائع فى البنوك بالتساوى، حتى لم يبق له إلا شقة العيادة و المستشفى و الفيللا الكبيرة التى يعيش فيها فى أحد ضواحى القاهرة الراقية، و بعض المدخرات بالبنوك التى يحتفظ بها "لوقت حاجة" كما كان يقول دائما.

كانت الأمور تسير نحو الإنتظام ثانية و حلمى يتأقلم فى وضع الأرمل الذى ليس حزينا و لكنه ليس سعيدا أيضا و يعيش بمفرده فى فيللته الكبيرة مع الخادمة و الطاهى و السائق و يدفن وحدته فى قلبه و يمزقها شر ممزق مع كل جراحة يجريها حين جاء ذلك اليوم، يوم عادى بدأ بتأخير فى الطريق بسبب حادث ثم جراحتين متتاليتين تناول حلمى بعدهما الغذاء مع أحد أصدقائه فى مطعم أسماك فاخر مطل على النيل و هو يترحم على روح عايدة التى كانت تحب السمك، ذهب بعدها إلى العيادة و بدأ فى معاينة الحالات، حتى دق الباب و دخلت هى، سلوى، إمرأة فى أوائل الخمسينات، تبدو جميلة و مُعتنية بنفسها كثيرا بطريقة تليق بعمرها، دخلت و جلست برشاقة و حلمى يفكر أنها مجرد إمرأة أخرى جاءت لإجاء جراحة تعطيها عمرا أصغر رغم أنها لا تحتاج لذلك فهى جميلة و السن ليس عيبا لمن كان يرى ما تفعله النساء ليزيفن أعمارهن الحقيقية، و لكن سلوى لم تكن تريد إجراء جراحة و لم يكن الإيشارب الأنيق على شعرها لإخفاء تساقطه حتى تجرى زرعا للشعر كما فكر حلمى بل كان حجابا، فسلوى حجزت كشفا مستعجلا باهظ الثمن لإستشارة حلمى فى جراحة تجميلية تريد إجراءها لحفيدها الأول الذى ولد منذ أيام بعيب فى شفته العليا و لم ترد أن تحضره معها فالجو بارد و هو ما زال فى حضانة الرضع و لن يخرج منها قبل أيام و أمه - إبنتها- ما زالت تتعافى من آثار الولادة القيصرية و الأب مشغول بالوليد و أمه، ووقع حلمى فى حيرة، فلأول مرة فى عمره كله الذى تجاوز الخامسة و الخمسين، يجد نفسه يريد أن يقضى وقتا أكبر مع إمرأة لا يعرفها و يغزوه شعور لم يحس به من قبل، و وجد نفسه يتفحص أصابعها بحثا عم خاتم زواج فلا يجد، فهل هلى مطلقة أو ربما أرملة مثله؟ هل هى متزوجة و لا ترتدى خاتمها كما تفعل بعض نساء طبقتها الراقية فى مثل عمرها؟ و لكنها لا تبدو من النوع الذى قد يتخلى عن خاتم الزواج لأى سبب، كانت أمانته المهنية تقتضى أن يخبرها أنه ليس متخصصا فى هذا النوع من الجراحات التى تحتاج إلى جراح تجميل للأطفال، و هذا يعنى أنه لن يرى تلك السيدة مرة أخرى، لكنه حسم الأمر بعد أن أنب نفسه على شعوره "المتصابى" و أخبر سلوى بالأمر فشكرته و قامت لتنصرف و لكن الكلمات إنطلقت من فمه تلقائيا و لم يحاول أن يمنعها، كانت تقترب من الباب حين سمعته يقول:

- الدكتور على القطان جراح الأطفال الشهير صديقى و يمكن أن أدبر لكم معه موعدا سريعا، فالمواعيد فى عيادته تحجز قبلها بشهور، إتركى رقم تليفونك عند السكرتيرة لو سمحت و سنتصل بكِ لإبلاغك. 


و تركت سلوى رقم تليفونها و أعادت لها السكرتيرة ثمن الكشف كما أمرها حلمى، و حُجز الموعد و أجرى الحفيد الجراحة سريعا بترتيب من حلمى الذى تابع كل شئ بنفسه و عرف أنها أرملة توفى عنها زوجها و هى لم تكمل الأربعين فأكملت تربية إبنتيها حتى أنهيتا تعليمهما و تزوجتا.. 


و أطل الحب برأسه،،، ثم تمطى و إقتحم المشهد بكامل إحتشاده 


و حين يطل الحب، يرتد الشيب ولدانا، و تجرى الدماء فى العروق التى ظلت يابسة لسنوات 


و حين يعبق السحر الأجواء، تدور الرؤوس و يتعطل المنطق 


و يلاحظ كل المحيطين ما يجرى بين الطرفين إلا الطرفين ذاتهما 


و مرت أسابيع و حلمى يختلق الأسباب لرؤية سلوى و سلوى تختلقها لتحدثه تليفونيا، ثم لم تعد الرؤية العابرة و الأحاديث التليفونية التى يقطعها الصمت المضطرب بدقات القلبين العالية تكفى 


و الحب يبدأ بالنظرة و الكلمة ثم لا يكتفى بهما، فجبروته لا يهدأ إلا بالإمتلاك التام 


و هكذا كانت المصارحة، فالزواج الذى أثار جنون إبنتى سلوى سعادة لأمهما التى لم تهنأ بسنوات عمرها السابقة، و تحفظ زوجيهما و إشمئزازهما من "تلك الجدة المتصابية التى تتزوج" كما تصارحا فى غيبة زوجتيهما، و إستغراب بنات حلمى اللاتى أحسسن بالغيرة لظهور إمرأة فى حياته بعد أن تعودن على الإستحواذ عليه تماما، أما أحمد فقد أعلن تأييده للزواج و لكن أحساس غير مريح تملكه لأسباب عجز عن فهمها. 


عاد حلمى مع سلوى ثلاثين عاما إلى الماضى، إلى أيام شبابه الأولى بعد تخرجه فى الجامعة، تلك الأيام التى إمتلأت بسحر الرومانسية و إستسلم لها جميع أصدقائه إلا هو، و عادت سلوى شابة عاشقة بوجه يتورد بالخجل و شعر مسه الشيب و أفلت روحها فظلت كروح شابة فى العشرين. 


و مضت الأيام سعيدة هانئة و من حولهما يرقبون فيسعد لهما من يسعد و يندهش من يندهش و يشمئز من يشمئز، و هما لا ينتبهان لردود أفعالهم، فالنصفين التائهين إتحدا متأخرا جدا و ما بقى من العمر أقل بكثير مما مضى، و لم يعد يجدر بهما سوى التركيز على بعضهما و يكفى الآخرين ما أخذوه منهما حتى الآن. 


إختصر حلمى جراحاته و عدل مواعيد عيادته، و حرصت سلوى على العودة إلى البيت فور إنتهاء عملها كمديرا للإئتمان فى بنك كبير فالبيت قد صار ملاذا و جنة، و زادت نزهاتهما و سفرهما داخل مصر و خارجها، و النزهات و السفرات تتطلب المال، و حلمى يكسب الكثير منه، فلا مشكلة، هكذا ظن هو على خلاف أحمد. 


كانت سبع سنوات قد مرت منذ زواج حلمى بسلوى حين حصل أحمد على الدكتوراه فى جراحة التجميل من أمريكا و عاد إلى مصر فإفتتح عيادته الخاصة التى ساهم أبوه فى تكاليفها بالكثير و أراد أن يوسع المستشفى إلى أكثر من ضعف المساحة لكن حلمى لم يقبل، فهو يحتاج إلى المال ليحافظ على مستوى حياته مع سلوى و هو قد أعطى أولاده و أحمد بالذات الكثير و الكثير، رفض حلمى لأول مرة طلبا لأحمد الذى جن جنونه، فقد كان يعتبر توسيع المستشفى حلم حياته و نشب الخلاف بين الأب و أبنه، قال أحمد أن أبيه يقف بينه و بين الشهرة و النجاح كجراح تجميل بعد أن حققهما لنفسه،،و قال حلمى أنه قد أعطى أحمد الكثير و لم يدخر وسعا فى مساعدته و دفعه إلى النجاح، و إنه قد تقدم فى السن و لا يستطيع العمل كثيرا مثل الماضى، و إن أحمد يمكن أن يبيع بعض عقاراته التى إشتراها له و يوسع المستشفى كما يريد. 


و زاد الخلاف و تزايد و البنات يحاولن رأب الصدع بلا فائدة حتى أصبح حلمى و أحمد لا يتكلمان إلا عبر الهاتف لدقائق معدودة كل بضعة أيام و لكلمات قليلة لا تتعدى السؤال البارد عن الأحوال، و إستوطنت سحابة الغم فضاء بيت سلوى و حلمى الذى ما زال ممتلئا بالحب و لكن صفوه قد تعكر، حاولت سلوى كثيرا أن تحل الخلاف بين زوجها و إبنه،، حاولت كثيرا بلا نجاح، توسلت إلى حلمى أن يعطى إبنه ما يريد فهى لا تحتاج إلى السفر و النزهات و الملابس الفاخرة و المجوهرات بل تحتاج إليه هو فقط، لكن حلمى رفض فهو يرى فيما يفعله إبنه أنانية لا تطاق. 


فكيف بعد أن أعطى أحمد و شقيقاته كل ما أعطاه يُضغط عليه لإعطاء المزيد




كيف يستكثرون عليه قليلا من السعادة فى أواخر عمره و هو الذى منح عمره كله لهم و لأمهم و لم يغضبهم يوما أو يرفض لأحدهم طلبا 

توسلت سلوى إلى أحمد أن يعيد الأحوال كما كانت مع أبيه الذى لم يبق له فى الدنيا الكثير بعد أن تجاوز الستين و لكن أحمد رفض ثم صدمها بقسوة بالغة حين أخبرها أنها هى سبب الخلاف و أن أسرتهم كانت سعيدة قبل أن تصبح جزءا منها، فكفت عن المحاولة و لم تخبر حلمى بما قاله أحمد لكنه علم حين سمعها عرضا تشكو إلى أختها ما حدث، و مرت شهور أخرى مليئة بالأسى و حلمى و سلوى يحاولان نسيان الأمر فينجحان حينا و يفشلان حينا حتى أصيب حلمى بأزمته القلبية الأولى، و تم إنقاذه منها بفضل يقظة سلوى و قلقها عليه الذى جعلها تلاحظ الأعراض فى بدايتها و تسرع به إلى المستشفى، و جاءت البنات مذعورات مع أزواجهن و بنتى سلوى مع زوجيهما أما أحمد فحضر فى اليوم التالى و أبيه يستعد لمغادرة المستشفى فألقى سلاما جافا و أمنيات بالصحة كما يتمناها لأى غريب ثم إنصرف فأوشك حلمى على الإصابة بأزمة قلبية ثانية من شدة ضيقه لما فعل.

وقع حلمى فى قلق شديد على سلوى فقد تجاوز الستين بأعوام و أصيب بأزمة قلبية و هى تقترب من سن المعاش و قد يموت عنها فى أية لحظة فلا يبقى لها سوى معاشها و مدخراتها القليلة و هما ليسا كافيين لتحافظ المرأة التى منحته أحلى شعور فى حياته و أحلى سنوات عمره على الرفاهية التى يرجوها لها، و إبنه قاسى القلب و قد ينازعها على نصيبها فى ميراثه أو يؤذيها، و قرر حلمى أن يشترى مزرعة فاكهة صغيرة تدر دخلا سنويا كبيرا بإسم سلوى التى رفضت الأمر لكنه لم يأبه، كان يستطيع أن ينقل لها ملكية الفيللا و لكنه تجنب أن يفعل ذلك فهى الفيللا التى عاش فيها مع عايدة و أولادهما و يجب أن تكون ملكا لهم بعد أن يموت، دفع حلمى مبلغا كبيرا لشراء المزرعة لسلوى و علم أحمد بالأمر فجن جنونه و أقدم على ما لم يتصوره أحد على الإطلاق. 



كان حلمى قد عاد مع سلوى من الإسكندرية ليلا حين فوجئا فى الصباح بجرس الباب يدق بشدة و دخل أحمد مع طبيبين آخرين و غرسوا حقنة فى ذراع حلمى أفاق بعدها ليجد نفسه داخل مستشفى الدكتور حسان للأمراض النفسية و العقلية، فهكذا دبر أحمد الأمر، فهو طبيب و سهل عليه الوصول إلى الأطباء و ذكر أعراض أى مرض ثم دس الأب فى مستشفى أحد أصدقائه تمهيدا لرفع قضية حجر و منعه من التصرف فى أمواله و قد كان، وافق الدكتور حسان على كتابة تقرير يفيد بعدم أهلية حلمى العقلية فى مقابل الحصول على حصة فى مستشفاه بعد أن يحصل أحمد على ملكيتها و يوسعها بألأموال التى سيستولى عليها. و إنهارت سلوى و قضت شهورا تحاول إنقاذ زوجها من تهمة الجنون و الحبس فى المستشفى بلا فائدة فهى إمرأة وحيدة رفض زوجا إبنتيها مساعدتها بل أعربا عن شماتة مخفية بقولهما أن الزواج كان خطأ منذ البداية و كان متوقعا أن يقود إلى نتيجة سيئة.

و مضت خطة أحمد الشريرة كما رسم لها، فالخطط تنجح إذا رسمت بإحكام يستوى فى ذلك الطيب و الخبيث منها، نجحت الخطة و إستولى أحمد على أموال أبيه و ممتلكاته و هو يتشوق لطرد سلوى من الفيللا و الإستيلاء على مجوهراتها و ممتلكاتها ليتشفى فيها لكنها كانت أكثر ذكاء فهربت كل ما إشتراه لها حلمى إلى مزرعة الفاكهة التى تضم بيتا كبيرا و لم تترك الفيللا حتى صدر الحكم الذى خرجت فور صدوره و لم تمنح أحمد أية فرصة للشماتة.

و إستقر حلمى خلف أسوار المستشفى لشهور من دون خبر واحد عن سلوى فقد منعت عنه الزيارة و التليفونات بحجة حالته الصحية، لكنه إستطاع رشوة أحد الممرضين بساعته الثمينة و تحدث إلى سلوى تليفونيا ليعرف مكانها، ثم رشاه مرة أخرى بخاتم زواجه البلاتينى الذى خلعه من إصبعه و قلبه يبكى حتى يسلمه جرعتين من منوم قوى و مبلغ صغير من المال، و هكذا إستطاع تنويم ممرض الوردية الليلية و حارس بوابة مستشفى الدكتور حسان و الهرب منها. 

كانت ساعتين قد مرتا منذ أن تمدد حلمى و غرق فى نوم تخللته العديد من الذكريات و الأحلام حين أحس بأنفاسه تضيق و هو يرى نفسه يدخل نفقا مضيئا تقف فى نهايته عايدة مبتسمة و هى ترتدى معطفها الفاخر الذى إشتراه لها من باريس منذ أكثر من عشرين عاما، مدت عايدة يدها إليه و هى تهمس:

-تعال يا حلمى، أنا فى إنتظارك،،تعال.. 


و إزداد إضطراب أنفاسه و هو يهم بالسير إليها فى النفق المضئ لولا أن سقطت على رأسه ثمرة بلح من النخلة العالية فوقه فنهض مذعورا ليخرج دواء القلب من جيبه و يضع حبتين تحت لسانه ثم يلقى المعطف بعيدا عنه، فهذا ليس معطف عايدة، و هو لن يذهب إليها، فهى عند من لا يظلم أحدا و هو ما زال على الأرض و قد ظلمه الجميع إلا سلوى فمكانه معها ما دام به عرق ينبض. 


فالنصفين إذا إتحدا لن يفرقهما سوى الموت..و سيقضيان ما بقى لهما من عمر و إن قل معا 


لن يدخل معارك مع إبنه لإسترداد ما إستولى عليه 


و إبنه لن يهتم بهربه من المستشفى فقد حصل على ما أراد و لن يهمه ما يحدث له بعد ذلك 


حان وقت الذهاب إلى سلوى، إلى نبع الحب الصافى 


إلى شريكة الروح و توأم القلب.. 


قام حلمى من مكانه و هو يتلفت حوله باحثا عن سيارة تقله إلى المزرعة تاركا المعطف على الأرض حيث ألقاه. 










بقلم الكاتبة المبدعة / شهرزاد المصرية

الجمعة، 2 مارس، 2012

معطف الصوف (36)



- كم اشتقت إليك يا ابنتي!




- كم اشتقت إليك يا أبي!




- اشتقت إلى صوتك.. إلى وجهك..




- صوتك.. وجهك..




- ولكن لا!




- لكن لا..




- لن أطلب لقاءك إلا أن تكون هذه رغبتك الكاملة.




- لن أسعى للقائك إلا بعد أن أنهي صناعة المعطف الصوفي الجديد لك.




- ربما لو طرقت باب حجرتك لأسألك عن رغبتك لا أتركك بعدها أبدًا من فرط شوقي لك الآن.




- ربما لو خرجت كمثل عادتي قبلاً في المساء لأحادثك.. ما عدت إلى الخيوط والقماش من فرط احتياجي لك.




- ما الذي أبعدك عني؟




- يا لهذا المعطف الذي يبعدني عنك..




- هل هناك في حياتك من هو أهم مني؟




- لا يوجد في حياتي من هو أهم منك أبيلأصنع لأجله معطفًا للشتاء بكل مهاراتيالمتواضعة.




- لا أمانع أن تكون لك اهتمامات أخرى غيري.. بل وأهم أيضًا.. لكن لماذا لم تأتِ كعادتك وتحكِ لي؟




- أتحرق شوقًا أن أخبرك عن سبب انقطاعي عنك.. أموت فضولاً لأرى انطباعك على كل خطوة أفعلها لمعطفك.




- تنسحبين من حياتي فجأة وبغموض ولاتعلمين أنك أنت حياتي.




- أصبحت أمسياتي موحشة بين قماش وخيوط.. لكن عزائي أني أصنع لك بكل إمكاناتيثوبًا يدفئك.




- أتعلمين أني أرتجف من البرد؟




- يا ليتني أستطيع أن أصنع معطفًا يقيك الحزن أيضًا..




- عندي معاطف كثيرة قيِّمة لم أفكر يومًا أن ألبسها لأنها لا تدفئ.. فقط حضنك يمنحنيالدفء.




- أما أنا فلن أصنع لنفسي معطفًا.. فقط سأطلب منك أن تضمني عندما أبرد.. وعندما أحزن أيضًا.




- اشتقت إلى الأسئلة في عينيك.. والمرح في صوتك..




- الخيوط تتعقد وأحتاجك لتساعدني في حلها.. أحتاج لذوقك الجميل في تركيب الألوان.




- لكن لا..




- لكن لا..




- لا أريد أن أزعجك.




- لا أريد أن أخذلك.




- سأصارع رغبتي حتى أصرعها أو تصرعني.. ولتظلي يا ملاكي بحرية كاملة.




- سأقاوم ضعفي وقلة خبرتي.. وأبذل ما في وسعي لأنجز معطفك مهما كلفني من ألم غيابك.




- الثلج ينحصر والربيع يأتي وأنت بعيدة.




- مخاوفي كثيرة كثيرة.. تتسرب منيلتسكن ثنايا القماش.. أنسجها دون وعي معالأغاني السعيدة التي تحبها يا أبي في عقد الخيط.




- أين أنت لأمسك يدك الصغيرة؟ نجري في الحدائق فتطير قمصاننا الخفيفة كأنها أجنحة لنا.




- أريده معطفًا قويًّا ثقيلاً.. بالتأكيد الجو الآن بالخارج ممطر بارق راعد عاصف.




- لا قيمة لدفء الجو الآن.. أريد دفء حنان عينيك. لا أرى أزهار الربيع الرائعة.. أكاد أجن إن لم تعاودني ابتسامتك.




- الوحدة.. الوحشة.. ومزيد من الخوف.. إنها معاني افتقادك يا أبي.. المعطف لا ينتهي.. وليس جميلاً كما ينبغي..




- ها هو صاحب مصنع الملابس - أنا! - يفقد الثقة في كل أنواع القماش أن تمنحه دفئًالقلبه.




- ها هي ابنة صاحب مصنع الملابس - أنا! - تقضي فصلاً كاملاً في صناعة معطف واحد ليدفئ أباها فيخرج مليئًا بالأخطاء.




- لو تعلمين أن أثمن أثوابي صارت كفنًا في عيني لأنها لم تأخذ الحياة من احتضانك.. وأن ملابسي القديمة الرثة ثياب ملك بالنسبة لي لأنهااحتوت يومًا أميرتي.




- لو تعلم أني بذلت مجهودًا في هذا الثوب المهلهل يفوق مجهود كل عمال مصانعك لمدة عام لربما سخرت مني.




- تعالي يا حبيبتي وأعيدي إليَّ الحياة.. فقد صرت كمسوح الحزن.




- آه لو تأتي لتصلح عملي بخبرتك.. لصار المعطف كثوب عرس رائع.




- هل لم أعد مرساتك ومخزن أسرارك؟




- هل لا أستحق بعد محاولتي الفاشلة أن أدعى ابنتك؟




- أحبك حتى وإن لم تعودي تحبينني.




- أحبك حتى وإن لم أعرف أن أعبر عن حبي بمعطف يناسب عظمتك وعظمة حبي لك.




- سأنتظرك كل يوم ولن أمل أبدًا..




- سأحاول مرة أخرى - عبثًا - أن أعدل من المعطف.




- لن ألومك أن كل ليلة من دونك تزيدنيألمًا مبرحًا.




- لن أشكو أن كل يوم بعيدًا عنك عذاب فوق طاقتي.




- وسأظل أسأل حتى أحصل على جواب..




- وربما راجعت نفسي لأتخلص من حيرتي..




- ما الذي يستحق هذا البعاد كله؟




- هل أدى معطف الصوف ما أردته منه.. أم صار حاجز استعباد؟







بقلم الكاتبة المبدعة / candy