الأربعاء، 23 نوفمبر، 2011

معطف من قيد 34


خرج حسام من العيادة وهو يحتضن زوجته وابنته ولديه يقين بان الغشاوة التى كانت على عينيه قد انزاحت
وعلى وجهه ابتسامة احتارت زوجته فى تفسيرها وعندما هم بالمغادرة قالت له لقد نسيت معطفك!

نظر لها قليلا ثم قال لا حاجة لى به
فقالت له بدهشة كيف؟ ان البرد شديد ثم وان كان لا حاجة لك به فهل ستتركه هنا؟

صمت قليلا وهو يتذكر انه ليس معطفه ولايحق له ان يتركه......فأخذه  وقرر ان يعيده فى الصباح لناصر صديقه

عندما وصل لمنزله وجد ناصر ينتظره فى مدخل العمارة وهو يحمل معطفه الذى بدله بالخطأ

سأل ناصر عن حالة الصغيرة ثم اخذ معطفه وودع صديقه على امل اللقاء القريب وانصرف.....

ركب سيارته واخذ يدور فى شوارع المدينة ......

ماذا يفعل الان ......لقد مر الوقت مع اصدقاءه سريعا


يالها من لحظات سعادة نادرة سرقها من الحياة.......فقليلة هى اللحظات التى يضحك فيها من قلبه هكذا 


قليلة هى الاوقات التى يكون فيها على طبيعته


يضحك ......يغضب.......يبكى .......يمزح........


كم اشتاق لناصر........كم اشتاق لنفسه التى لم يعد يعرفها.....


هل هذا ناصر الذى كان محط اعجاب الجميع ايام الجامعة!!!!!!!

هل هذا ناصر المفعم بالامال والاحلام!!

تذكر كيف كان شاب مرح ,متفائل,طموح.......


ولنضع العديد من الخطوط الحمراء تحت طموح هذه....


فهو يحلم بان يتم دراسته وان يجد عمل مرموق يتيح له ان يصبح من علية القوم وفى وقت سريع


نعم........ولم لا.


فلديه من المقومات مايتيح له هذا فهو شاب فى مقتبل العمر ذكى ووسيم ولبق وهى مقومات من الممكن ان تحقق الكثير ....لمن يستطيع ان يستغلها......هو فقط يحتاج لفرصة


ولقد اتت هذه الفرصة فى صورة(هدى)


تلك الفتاة الرائعة الجمال والرقة والاهم من ذلك التى تمتلك من الثروة والنفوذ مايتيح له تحقيق كل احلامه ....مع بعض الجهد


وقد كان ....بدء فى محاولات لفت الانتباه وساعدته وسامته ولباقته لابعد الحدود


وماهى هى الا شهور قليلة وكانت هدى متعلقة به جدا..لدرجة انها هى من اقترح عليه ان تعرفه على والدها رجل الاعمال الشهير 


ومرت الاحداث سريعا وتخرج وتقدم لخطبة هدى واستلم عمله فى احدى شركات الاب وتزوجا 


ومع مرورالوقت بدات شخصية زوجته الحبيبة فى الظهور


لم تكن تعامله على انه زوج ......بل على انه قطعة اثرية تمتلكها


غيرة قاتلة.ليست غيرة زوجة محبة ولكنها غيرة تملك فلقد اعتبرته ملك لها ....شئ اشترته باموال ابيها ولا يحق لاى احد  ولا حتى هو نفسه الاعتراض على ذلك


يتذكر جيدا عندما نشبت بينهم مشاجرة من مشاجراتهم العديدة .....استفذته لابعد الحدود لدرجة انه رفع يده عليها ولكنه توقف واحس انه ليس من المفترض ان يضرب زوجته مهما حدث...


خرج من البيت حتى يستطيع ان يتنفس ففوجئ بوالدها يستدعيه للشركة وافهمه بشكل واضح ان ابنته هذه (سته وتاج راسه) وان مستقبله المهنى مرتبط بسعادتها وانه لو اساء لها باى شكل  هيرجعه الشارع تانى


وقتها احس بالخوف .....لا يمكن ان يضحى بكل نجاحه .....واختار ان يكمل مهما كانت المتاعب


ولقد علمت الزوجة بما حدث وشعرت بقوتها وبدأت تزيد من التضيق عليه واعتادت على ان ترفع صوتها عليه ........


ومرت بهم الايام هكذا حتى جاء عيد ميلاده من اسبوع وفىوجئ بها قد احضرت له هذا المعطف هدية
يتذكر جيدا الكلمات التى قالتها وهى تقدم له تلك الهدية(خد ياسيدى علشان بس ماتقعدش تشتكى منى جيبالك هدية عمرك ماحلمت تلبس زيها اهو....انت عارف ده تمنه كام!
يلا بس علشان كل ماتلبسه تفتكرنى وتفتكر النعمة الى انت فيها كل سنة وانت طيب)

اخدت تلك الذكريات تمر بذهنه حتى احس بالتعب وقرر ان يذهب لبيته لينام ويرتاح قليلا قبل ان يذهب لعمله

وما ان وصل البيت حتى فوجئ بها مستيقذة

بصوت جهورى: انت كنت فييييييييييين اكيد كنت بتتسرمح مع واحدة من اياهم....

ثم ازاى اكلمك تقفل السكة فى وشى وتقفل موبايلك كمان

فرد عليها بهدوء انا ماقفلتش السكة فى وشك ولا كلمتك اصلا

قالت:انت كمان هتكدب ده انا متصلة بيك بامارة ماقولتلك يازفت ارجع البيت دلوقتى حالا والا يومك مش هيعدى واديك جيت انت كده مابتجيش الا بالتهزئ

ثم لما انت عاوز تتسرمح مع البنات مش مكسوف على نفسك تلبس البالطو اللى جيبهولك هدية من فلوسى ........صحيح ماعندكش دم

انت مابتنطقش لييييييييه

نظر لها ناصر قليلا ثم قال:عاوزانى ارد.......ادى المعطف بتاعك

                              انتى طالق

وتركها وسط  زهولها وخرج وهو يستنشق نسمات الصباح............


بقلم الرائعه ريماس صاحبة مدونة بنوتة مصرية  
 

الجمعة، 18 نوفمبر، 2011

معطف من القيود 33

تعالت اصوات الضحكات على طاولة الاصدقاء  ... 
مرّ وقت طويل منذ ان اجتمعوا هكذا آخر مره...بعد تخرجهم من الجامعه وتفرقهم بين اعمالهم و زواجهم....لم تعد هناك لقاءات كهذه الا كل عدة شهور...
مع تساقط المطر الغزير في الخارج واكتظاظ المقهى  تناثرت سحب دخان الاراجيل  فوق الرؤوس كضباب كثيف
...ما بين الحديث عن العمل والسيارات والسكرتيرات الجميلات والمديرات المتسلطات ومباراة برشلونه الاخيره و آخر الاخبار   كانت القفشات  والمزحات تخرج بالتبادل فيما بينهم فتتعالى الضحكات   يتبعها رشفه من كاسة شاي او فنجان وقهوه وسحبة ارجيله .

يرن هاتف حسام الخلوي فينظر سريعاً الى شاشته ,يزفر زفرة طويله ويفتح الخط
-خير ؟شو في؟ مش هاين عليكِ تخليني مبسوط ساعه مع اصحابي؟ لازم تتفقديني كل ربع ساعه؟
فيبدأ الاصدقاء بالتعليق....
-ايوه يا حمش...
-أديها....
-بس ما تسوق فيها كتير,آخرتك تروح عالبيت ....
-احفظ خط الرجعه  أحسنلك...

تغيّرت نبرة حسام , خفت صوته وهو يقول...طيب انا جاي بسرعه ...جهزي البنت واجهزي ونص ساعه اكون عندك...واقفل الخط.

-معلش يا جماعه...كان نفسي ابقى معكم اكتر لكن بنتي الصغيره حرارتها مرتفعه من الصبح وهي تعبانه للآن...فلازم اروح اخدها للدكتور...عن أذنكم.
-بنتك مريضه وللا المدام أصدرت الامر بالترويحه هاهاهاهاها؟؟؟
-لا يا جماعه...البنت تعبانه فعلاً  من قبل ما اطلع الصبح من البيت...
-ماشي ..سلامتها كان بودنا تقعد معانا اكتر
-لسه القعده بأولها وما لحقنا نشوفك...
-معلش يا جماعه ...مضطر ...خيرها بغيرها...سلام
-مع السلامه,,,طمنّا عليها لما ترجع من الدكتور.
 -سلام...
تناول حسام معطفه من بين المعاطف المكوّمه على الكرسي الفارغ على طاولتهم وخرج مسرعاً...وضع المعطف على رأسه وركض بسرعه باتجاه سيارته فما زال المطر ينهمر بشكل غزير ...وصل سيارته فارتدى المعطف وجلس خلف المقود ومضى في الطرقات التي تغرق من شدة المطر ...الازمه فظيعه ...والسيارات تتحرك ببطئ وهو منزعج ووجهه مكفهر أكثر من السماء السوداء الملبده بالغيوم وبدأ في الكلام والسباب ولعن حظه السيء الذي نكّدّ عليه وحرمه من مجالسة رفاقه ....

لعن المرض ولعن الزواج ولعن اليوم اللي تزوج فيه ولعن  زوجته التي لا تعرف ان تتحرك خطوتين بدونه ...ولعن نكدها ولعن ازعاجها له  ومطالبها التي لا تنتهي
وابناءها اللذين يمرضون عشرين مره في الشهر...

 فجاءه شعر باهتزاز هاتف نقال في جيب المعطف فتفقد هاتفه ولم يكن هو ...ليس هاتفه!
 ...تحسس جيوبه فوصلت يده الى الهاتف الذي يهتز...نظر اليه وقرأ اسم "هدى" ارتجف للحظه وارتبك...دقق النظر في الهاتف "هدى" هو يعرف هدى ,انها زوجة صديقه ناصر الذي تركه قبل لحظات في المقهى...استغرق بعض الوقت ليكتشف انه قد حمل معطف ناصر بالغلط...كلاهما نفس اللون والطول والموديل -...اووووووووه ما هذه الغلطه الآن!
مستعجل ولا استطيع الالتفاف للعوده الى المقهى لاعادة المعطف لصاحبه....فكر في نفسه ...سآخذ الصغيره للطبيب واعود الى المقهى لاحقا لاعادة المعطف  لناصر واخذ معطفي الذي تركته هناك....
سكن الهاتف خلال هذه اللحظات فوضعه جانباً واخد يمرر يده على المعطف ويتحسس صوفه الكاشميري الناعم...
-شتان ما بين معطفي ومعطف ناصر,كيف لم الحظ الفرق؟, غرق في ملمس المعطف الوثير واخذ يفكر...
ناصر  يا له من محظوظ !!!
 وهبه الله وسامة الشكل وحلاوة اللسان وخفة الدم مما جعل كل بنات الكليه ايام الدراسه  يحاولن التقرب منه وكسب وده .....اما ناصر فقد كان مغرماً بهدى ولا يرى غيرها.
هدى التي كانت حلم كل شباب الكليه في ذلك الوقت لجمالها ورقتها وغناها وصيت عائلتها .......
...هدى تلك الجميله ذات الابتسامه الساحره 
  هدى الرقيقه ذات الصوت الملائكي
 هدى الغنيه ...
....يا له من محظوظ هذا الناصر
لقد ابتسم له الحظ عندما بادلته هدى الحب بالرغم من كونه من عائلة بسيطه فقيره لا وزن لها في ميزان العائلات مقابل وزن عائلة هدى ذات العيار الثقيل!
وفتحت له الدنيا ذراعيها عندما ضغطت هدى على عائلتها ليقبلوا به زوجاً لها ... ومن ثم نال الرضا والسعد عندما حاز على رضا السيد  "والد هدى" ففتحت الشركات ابوابها امامه ليختار ما يناسبه.
يا لك من محظوظ يا ناصر...زوجه جميله ورقيقه و غنيه وعمل ممتاز وبيت في ارقى مناطق المدينه و سياره فخمه  وحفلات وسفرات و...و... 

وازداد انزعاجاً عندما ارتسمت صورة زوجته الشاكيه  دوماً أمامه بجانب صوره هدى الجميله الرقيقه الغنيه ...
وانزعج اكثر عندما تذكر صوت هدى الملائكي الساحر
بالمقارنه مع صوت زوجته العالي الحاد
...وعاد للسباب واللعن فلعن الزواج و لعن زوجته ولعن حظه الاسود و نصيبه **** الذي لم يجعل له زوجه مثل "هدى"
عاد الاهتزاز من جديد واسم هدى يتلألأ على الشاشه...ارتبك مجدداً...هل يرد؟ ام يتركه ؟
سكن الهاتف ....ثم عاد من جديد ...فقرر ان يرد ويشرح الموقف ل "هدى" ويطمأنها على ناصر فلا بد انها قلقه عليه لذلك تلح في الاتصال به! وفي نفسه حيره من صديقه الذي ضبط هاتفه صامتاً!!! كيف يطاوعه قلبه بأن يجعل زوجته الرقيقه ان تقلق عليه هكذا ...ولا يستقبل مكالمتها؟!

فتح الخط وقبل ان ينطق بال آلووو ...جاءه صوت هدى الملائكي الساحر:

-اسمع يا زفت ...لو بتفكر اني مصدقه انك مع اصحابك بتكون غبي ... انا عارفه انك مع سكرتيرتك وما بدك ترد عالموبايل عشان هيك ...
الحق مش عليك يا (تيييييت) 
يا (تيييت )...الحق عليي انا اللي نظفتك  وخليت بابا يشغلك في شغل عمرك ما كنت تحلم فيه يا **** ...عشان تتركني ملطوعه بالبيت و كل يوم تسرح وتمرح مع وحده شكل يا ^%$&) يا *&^%#....يا ... يا زفت ...

يدرك الان سبب الوضع الصامت واخفاء الهاتف في جيب المعطف!
بدون وعي ضغط على زر الاقفال الكامل فصمت الهاتف وتلاشى معه صوت هدى الملائكي المشبع بسيول السباب والشتائم! 

       ******************************************
في عيادة الطبيب خلع المعطف ورماه على ابعد كرسي عنهما ....جلس بجانبها وهو  يتأمل وجهها ... كأنه لم يرها منذ وقت طويل...بشرتها شاحبه عيناها  ذابلتان ....لكنه الان يراها أجمل و أرق من هدى بألف مره...
أمسك يدها واحتضنها بحنان فابتسمت بخجل وهي تعتذر له آسفه عن اضطرارها لسحبه من بين اصدقائه...

-لا تعتذري .....لم  تخطئي الآن... لم تخطئي ابداً.
 
 
بقلم المدونة الرائعه نيسان صاحبة مدونة نيسان
 
 

الاثنين، 7 نوفمبر، 2011

معطف الحنين 32




ليلة من ليالي الشتاء الباردة ، السماء ملبدة بالغيوم تخفي ضوء القمر أو كأن القمر قد رفض الحضور في هذه الليلة متعمدا ، زخات من المطر تنزل من السماء من حين لأخر تنذر بشلالات قادمة ، أمواج البحر تتعاقب تتصادم تتسابق للوصول الي الشاطئ في مرح.
وفي الشالية الصغير المطل علي هذا البحر الهائج أعد لنفسه كوب من الشاي الساخن يبحث فيه عن الدفء ، دخل إلي غرفته يبحث عن معطفه القديم حتي عثر عليه، إرتداه بلهفة محاولا الدخول إلي حنايا الدفء ، نظر إلي نفسه في المرآة وتسمر أمام نفسه وقد شعر بدفء عارم قد إعتراه وحنين جارف قد إحتواه مر بيده علي المعطف وكأنه يلمس أثار يداها وجسدها عليه وتذكر يوم أن أهدته هذا المعطف قالت له باسمة خذ هذا المعطف لقد إرتديته قبلك حتي تتذكر دفء جسدي وهو عليك دائما خرج إلي الممر المؤدي للشاليه تحت المطر العنيف لم يشعر بهذه الزخات القوية، لم يشعر بهذا البرد القارص،فقد كان الدفء في داخله أقوي وأعنف ضم ذراعيه وكأنه يحضنها داخله ظل واقفا حتي إنتبه إلي صوت الرعد يوقظه من حنينه وذكرياته عاد إلي الشاليه مرة أخري وتخلي عن معطفه فقد كان أهون عليه أن تتجمد أطرافه بردا من أن يحترق بنيران الحنين.
بقلم المدون الرائع سندباد صاحب مدونة فكرة

 

الخميس، 3 نوفمبر، 2011

وخزة إبرة 31



ظلت سنين طويلة تحتفظ بذلك المعطف ، تتوسده في ليل الصيف ، و تتلحفه في ليل الشتاء ، دون أن تكف بكاء زوجها في جوف الليل ، و وسط النهار ، حتى انحنى ظهرها و ضمر جسمها رغم أنها تقضي أيامها بين أحفاذها في بيت ابنتها !

و في يومِ ما رأت فيما يرى النائم أنها في صحراءِ قفراء جرداء ، و بغتة و ما بين لحظة و أخرى لاح لها نفراً تشكل من لا شئ كلمح البصر ، كان يسير نحوها ، و كلما اقترب منها استطاعت أن تقرء ملامحهُ أكثر ، كان زوجها بشحمه و لحمه ، و قد تغيرت ملامحه و هيئته فعاد شاباً ملتحي بلحية تفيض وقاراً و جمال نورٌ على نور ، كان يشير بيديه نحوها محاولاً محادثتها يحرك بشفاهه دون أن يصلها منه شئ ، و حين يئس من التواصل معها إختفى كما ظهر ، و كأن الأرض انشقت و ابتلعته !

استيقظت من نومها جافلة نافضة البدن و يديها ممدودة بإتجاه السماء ، كأنها تحاول ايقافه !

استعاذت بالله من الشيطان الرجيم ، ثم عادت تستجدي النوم حتى يتجدد الحلم ، و بينما هي تتقلب في فراشها تجتر نشوة ذلك الحلم تجمعت في مخيلتها أحداث حكاية كانت قد حكتها لها أمها في صغرها " إذا جاء الميت في المنام فقد جاء ليصطحب معهُ نفراً . . . ! "

و منذ ساعة ذلك الحلم ظل يشغل بالها ذلك القادم من عالم الأموات ، عساهُ يأتي ، و يقترب ليضع نهاية لعمر غرق بعدهُ بالأسى و لوعة الفراق .

و بعد مرور شهر بالتمام على ذلك الحلم استيقظت على صوت أذان الفجر حيث سمعت للأذان صوتاً مختلف على الرغم من أنها تسمعهُ منذ أكثر من عشرين عام بصوت نفس الشخص ، لكنهُ هذه المرة كان صوتاً قادماً من بعيد ، من جوف الأرض ، من فوق السموات ، و كأنه يرفع لها خصيصا ً ، دب في عروقها الشباب ، فقامت على عجل و توضأت فأحسنت الوضوء ، و صلت فجرها حاضراً و أدتها حقها من الخشوع ، و حال انتهاءها من صلاتها و التسبيح عادت لسريرها و هي لا تزال تتمتم بشهادتين و الإستغفار حيث كان ذلك المعطف مكوماً مكان الوسادة ، فقد كانت منذ بداية الصيف كعادتها في كل صيف تتوسده ، نفضتهُ في الهواء ، و ضمتهُ الى صدرها تنتشي فيه أحضان زوجها ، لتعود إلى عينيها صورته في ذلك الحلم ، و على حين غرة إيقظتها من شرودها وخزة إبرة عالقة في المعطف في صدرها ناحية القلب ، و خلال يومين تقرح الجرح لكونها مريضة بالسكري ، و أصبح غرغرينة ، صالت أبنتها و زوجها بها بين الأطباء التي لم تكف عيونها للحظة عن ذرف الدموع ، و تلاوة الدعوات في وقت السحر و جوف الليل ، لكن الله شاء و قدرهُ غالب ، انتشرت الغرغرينة في سائر جسدها ، و ظلت تتقلب على جمر الألم حتى فاضت روحها، فذهبت النضارة عن وجه ابنتها التي كانت لها الأم و الأب ، و انطفئ بريق عيونها حتى استسلمت للأمر الواقع ، و في لحظة حزن عارم دخلت ألى غرفة والدتها و أخذت بالمعطف و ألقت به من الشباك . 
 
 
بقلم المدونة الجميله حنين نضال صاحبة مدونة أحرف الحنين 

السبت، 29 أكتوبر، 2011

ذات الرئحة الكريهه 30

تلفت حوله يمينا ويسارا وتاكد ان لا احد يراه في هذا الوقت المتاخر من الليل فاقترب من التمثال واخذ المعطف وفر هاربا وعندما وصل لشارع جانبي من شوارع العاصمه وضع الاشياء التي يحملها واخذ يقلب في المعطف يمينا ويسارا وبحث بجيوبه متاملا ان يجد حفنه مال توفر له الطعام والشراب لعده ايام ولكن اصابته خيبه الامل عندما وجده فارغا من ايه اموال ففكر ان يبيعه لاحد ممن يجلسون علي الارصفه مثله ولكنه فكر قليلا فممكن ان ينفعه في برد الشتاء فقرر الاحتماء به فلبسه واعجبه مظهره به ورجع الي مكانه علي الرصيف يمد يده لهذا وذاك يدعو لكل من اعطاه عده قروش ويدعو في سره علي من تجاهله وهكذا تمر حياته علي الرصيف الذي هو بيته تمر عليه الناس كل يوم.

ولكن ماحدث في نهار يوم من الايام انه لم يقم من نومه يمد يده كالعاده فذهب احد المقيمين في الشارع يوقظه فوجده فارق الحياه تاركا خلفه اكياس بلاستيك يتغطي بها وبطانيه مهلهله ينام عليها وبجواره معطف ايطالي الصنع ولكن ذو رائحه كريهة فبعد ان حمله الناس لدفنه بدات السماء تمطر بشده فاخذت تحتمي من البرد والمطر تحت اي مظله تجدها تلوم نفسها انها لم تسمع صوت امها تذكرها ان الجو به مطر وتحثها لذياده لبسها ولكن عندها جعلها لا تصغي الا لصوتها ونزلت مشوارها لا تلبس الا ما يستر جسدها فقد ولكن لا يحميه من البرد او المطر لمعت عيناها فجاه عندما لمحت معطف ملقي علي الارض بجوار عده اشياء فكرت اتاخذه تحتمي به من البرد ام تتركه لصاحبه وبينها وبين نفسها تريد ان تاخذه فتلفتت يمينا ويسارا تراقب الطريق لا احد يسير الان والمطر يملاء المكان فاسرعت الي المعطف لبسته رغم رائحته الكريهه ولكن حدثتها نفسها ان الرئحه بعد اخذ حمام دافء ستزول انما لسعه برد يمكن ان تسبب لها الكثير خاصه ان بها جيوب انفيه ملتهبه فاخذت نفسها والتقطت ورقه كرتونه مقواه من جوار المعطف ورفعتها علي راسها وانطلقت مسرعه الي البيت وقبل ان تضرب الجرس خلعت المعطف بسرعه ووضعته في صندوق القمامه المجاور لاحدي الشقق المجاوره لشقتها وعندما فتحت امها الباب لم تعطيها فرصه للحديث معها فانطلقت للحمام اغلقته في سرعه واخذت حماما دافئ ازال عنها الرائحه الكريهة وخرجت تلفعت ببطانيتها واحضرت امها كاسه شاي لها كي تعطيها الدفء وتلومها علي عدم لبسها شيء ثقيل في هذا البرد فتظاهرت بالاسف والاعتذار لامها وانه ستر ربنا فقط هو من حرسها من الم دور برد محتم وعندما خرجت امها من الغرفه اخذت تشم نفسها تتاكد ان الرائحه زالت عنها وضحكت في نفسها علي شكلها وهي تشبه الشحاتين في معطف احد منهم ولكن تشعر بالامتنان لصاحب هذا المعطف الكريه الذي تركه علي الرصيف لتاخذه تحتمي به ولكن فجاه شعرت بتانيب الضمير ففكرت ماذا فعل هذا المسكين في هذا الجو الصعب فعكر عليها هذا مزاجها فاخذت تدعو وتستغفر ربها علي انانيتها وتتمني ان يسامحها صاحب المعطف لا تعلم انه منذ ساعات اصبح بين يدي الله لم يشعر ببرد الدنيا ويعلم الله وحده مصيره في الاخره.



بقلم المدونة  الجميله وصف الإحساس صاحبة مدونة وصف الإحساس  

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2011

حنين حنان 29



بعد أن انهت الدكتورة حنان عملها بعيادتها استقلت سيارتها عائدة الى المنزل و لكنها رغم انتهاء عملها الشاق و ارهاقها طوال اليوم بين المستشفى وعيادتها الخاصة لا ترغب فى العودة الى المنزل لكى تستريح قليلا تشعر بأن تلال من الحزن تكسو صدرها و لا تعرف السبب لمحت من بعيد اضواء خافتة لكافيه فكرت لماذا لا تشرب فنجان من القهوة انها بحاجة له اوقفت سيارتها و نزلت و دخلت الى الكافيه

امسكت الدكتورة حنان فنجان القهوة الساخن شعرت بالدفء يسرى بين كفيها لماذا لا تشعر بالدفء فى حياتها  لماذا هى غير سعيدة رغم نجاحها كطبيبة فقد حصلت على الدكتوراه و الزمالة من امريكا رغم سنوات عمرها الصغير لها عيادة يحسدها  عليها الجميع لماذا لايفارقها الحزن ما هو سببب ملازمته لها  ايمكن ان يكون بلا سبب لماذا لا تعرف للسعادة طعما لماذا لا تتذوق نجاحها امتلئت عيناها بالدموع و هربت بعضها بالرغم من محاولة حبسها داخل مقلتيها

قامت حنان و دخلت الى الحمام لكى تغسل وجهها من الدموع ما هذا الذى بداخل الحمام انه معطف ثمين صناعة ايطالية هنا فقط تذكرت لماذا هى حزينة تذكرت حلمها القديم الذى اختنق بداخلها و تاه و اختفى فى دوامة الحياة و تلاشى رويدا رويدا مع صعوبة دراستها و عملها الشاق لدرجة انها لم تستطع حتى تذكره ما اصعب ان ننسى احلامنا و تتوه منا فى دروب مظلمة بعيدة  نجد صعوبة فى مجرد تذكرها نعم تذكرت حلمها ايطاليا روما دراسة الرسم فى ايطاليا انه حلمها وجدته مع المعطف لقد تخلت عن حلمها بضغط من والدها الذى ارغمها على دراسة الطب لانها تفوقت فى الثانوية العامة و حصلت على درجات عالية يا الله ايكون مكافاة تفوقها اجهاض حلمها و التخلى عنه كم كرهت تفوقها الذى اصبح مثل امواج البحر العاتية تدفعها بسرعة كبيرة الى شاطىء اخر قد يكون اجمل من شاطئها لكنه ليس بشاطىء احلامها

 ارتدت حنان المعطف و طارت بجناحى خيالها الى روما اكاديمية سانتا اندريا   و حصولها على الدكتوراه منها  نعم هذا المعطف يليق بافتتاح معرض  لوحاتها فى اكبر قاعة عرض بروما غادرت الكافيه و هى تحلق بمعطفها تسير باحلامها تتراقص  مع فرحتها تعدوا بشوارع روما بين تماثيلها و لوحاتها يبلل وجهها بقطرات المطر المنعشة الصافية التى تتساقط وتغوص قدماها فى حبيبات الثلج البيضاء و تحتضن بصدرها باقات الزهور الخميلة من معجبيها و ترتفع  انأملها  كريشة ملائكية تطير بها بين الوان قوس قزح  و فجاة رن هاتفها المحمول ايقظها من احلامها  تليفون من المستشفى يستدعونها هناك مريض فى حاجة لها بحثت عن سيارتها لم تجدها لقد بعدت عنها مسافة طويلة جدا خطتها قدماها دون ان تشعر خلعت المعطف و وضعته على التمثال الذى يتوسط الميدان الموجودة  به ابتسمت ابتسامة نشوة محملة بالشجن و الرضا  و اوقفت تاكسى و ركبته لكى تلحق مريضها بالمستشفى



بقلم المبدع إبراهيم رزق 
   

السبت، 22 أكتوبر، 2011

أُمنا الغولة 28


أنا جميله ج م ي ل ة
هكذا قالت لنفسها عدة مرات و هي تتمعن في ملامحها الغليظه في مرآة الحمام, وقفت على الميزان فوجدت وزنها كما هو في نطاق البدانة, زفرت بغضب و ركلت الميزان فكسرته, في غرفتها جلست تفكر في يومها, اليوم ستقابله, ترى ماذا يريد منها, هل يريد مساعدتها كعادة معظم من تعرفهم, هل يريد مشورتها, رأيها, هل يريدها أن تكون رسول غرام كما كانت دائماً منذ أيام الجامعه...أم هل...لكن لا لا لا يمكن ان يحبها, هي حتى لا تجرؤ على تصور هذا, كيف و هي بهذا الجسم الممتلئ الذي طالما أثار مضايقات الناس لها.


نظرت بأسى لصورتها و هي صغيره, منفوخة الوجه, مكتنزة الجسم, تكاد تسمع أصوات التلاميذ الصغار في المدرسه و هم ينادونها ( أُمنا الغولة ) و طرقعات ضحاكتهم الحاده تملأ المدرسة و تهزها من الداخل بشدة, كانت تضحك وقتها و تحاول إخافتهم بصورة كوميدية, تنكش شعرها, تسن أسنانها, تجري وراءهم في غضب مصطنع, و هم غارقون في ضحكهم, و هي تضحك معهم ساخرة من نفسها.

عندما كبرت قليلاً أصبح إسم (اُمنا الغولة ) هو رُعبها, تحاول جاهدة أن تتحاشاه, بالمعامله الطيبة الجدعه تاره, و بالعنف و اللسان السليط تارة أخرى, فأصبحت أجدع بنت في أي مجتمع تدخله, تبدي إهتمامها دائماً, تقدم مساعدات غير مشروطه, تُحاسب من مالها الخاص دون إكتراث, تُهادي بدون داعي, و من ناحية أخرى كانت شرسة جداً مع من يحاول مجرد أن يجرحها لو بنظرة, فكانت تدافع عن نفسها ممن لا يروقها بأن تستفز الناس ضده, أو تُشيع أخطاءة أو تُبلّغ عنه إن أمكن, و أحياناً تضطر للمواجهه فيصبح صوتها أقسى من السوط و إنفعالتها أشد من الكوارث الطبيعيه.

لم تشعر يوماً بأنها أنثى للحب, هي إنسانه, صديقه , زميله, إبنة, كل الألقاب إلا حبيبه, و في المقابل لم تجرب أن تحب إلا مرات قليله, فحالة التحفز التي كانت تسيطر عليها مع الناس حالت بينها و بين الحب, الرجل الذي أحبته يوماً و كانت تشتري له أغراضه و تعزمه بإستمرار على الطعام, و تكلمة أكثر من عشر مرات في اليوم, تزوج غيرها, اليوم هي تشعر بشعور مختلف, تتمنى لو كانت جميله, خطرت ببالها فكرة, فنهضت تبحث بين شرائط الكاسيت القديمه, وضعت الشريط في المسجل فإنطلق عبد الحليم حافظ يغني كآلة موسيقيه ناعمه صوتها إحساس...بحلم بيك...أنا بحلم بيك...

 هامت مع الأغنية و ذابت مع الألحان, فوجدت نفسها تُقلّد مشهداً طالما رأته و لم تتجرأ أن تكون جزءاً منه في يوم من الأيام, بدأت تميل بجسمها و ترقص بإنسيابية لم تكن تعرف أنها تمتلكها, يتساقط شعرها على وجهها فتطوح به بعيداً بحركة من رأسها, و عندما غنى عبد الحليم " ياللي محدش قالك عالشوق اللي أنا فيه...بُكرة الشوق يوصلك و تجرب لياليه...و إن مسألتش فيه يبقى كفاية علية" وجدت نفسها تبكي رغماً عنها.

في المساء فتحت خزانة ملابسها لتستعد لأهم خطوة قبل مقابلته, ظلت على حالها ساعة كاملة تفكر في أي نوع من الملابس يمكنه أن يداري جسدها الممتلئ, حتى وقع بصرها على المعطف, إنه المعطف الذي هادهم إياه صديق والدها الدمشقي الطيب, الذي قرر أن يضع قطعة من متعلقات إبنه الشهيد في كل بلد عربي, علهم يتفقوا يوماً على الثأر لدمه هو و كل شهداء الذل العربي.

إرتدته,  شعرت أنه لملم معالمها و وضع حدوداً لخريطة جسدها الشاسعه, إنتظرته في المكان النيلي الهادئ الذي طلب مقابلتها فيه, كانت تقف بغير ثقة  تخفي يداها في المعطف, واضعة الذواق لأول مره حتى يداري غلاظة أنفها و شفتاها و إمتقاع لونها, أتاها و جلسا يتبادلا أطراف حديث هامشي عن العمل, و هي تترقب في غير صبر السبب الحقيقي وراء مقابلتهما, حتى سألها بهدوء:

-لماذا تضعين الذواق؟
ردت متفاجئه : لأننا بالليل و الليل له طقوس...
-بالنهار أو الليل...انت ملاك.
كادت تنهض و تنصرف أو ترد بأي شكل غير طبيعي كعادتها, لكنها غرقت في صمت خجل و هي تفكر بجسمها..أي ملاك له هذا الجسم!
إستطرد هو : عندما تتكلمين أشعر و كأنني أنا الذي أتكلم...لنا نفس الفكر.
صمتت
-أصبحت أفكر فيكي طوال اليوم...ماذا فعلت حتى جعلتيني لا أرى إمرأة سواك؟
صمتت
-أنا معجب بك...جداً.
-لماذا؟
-لأنك أنت بكل ما فيكي.
-أنا لست جميله.
-أنت جميله... أجمل من رأيت.

كادت تقول (كاذب) كما تعود لسانها أن ينهش في البشر, لكنها تمالكت نفسها و ذهبت للحمام, هناك نظرت لنفسها في المرآه, وجدت نفسها مليحة الوجه , براقة العينان, عذبة الخصر, حتى بشرتها أصبحت أكثر نعومه و نضاره, ماذا حل بها, أي مرض أصابها جعلها إنسانة أخرى لا تمت بصلة ل (أُمنا الغولة), مسحت الذواق و خلعت عن نفسها المعطف, أعطته لشابة صغيره كانت تبكي في الحمام و ربتت على ذراعها بحنو.

رآها فتقدم بإتجاهها و في عينيه لهفه, سألها عن المعطف , رفعت كتفاها في عدم إكتراث و قالت :
-و ما حاجتي به ؟ كنت أختبئ وراءة...سئمت الإختباء...أريد أن أظهر على طبيعتي...أريد أن يراني الكون.
رد عليها بكلمة واحدة :...بحبك...


***********

بقلمي شيرين سامي

الثلاثاء، 11 أكتوبر، 2011

معطف من القيود (قصة واقعيه)27

شهر آذار لعام 2003 كان عاماً شهده الناس جميعاً بترقب .. ينتظرون بقلوبٍ متأهبة ليعرفوا نهاية هذه الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانية على العراق .. فمن أناسٍ حانقون لشن هذه الحرب يعتبرونها حرباً على الإسلام وبلادهم .. وآخرون يرون أن فيها قضاءً على حكم ديكتاتوري لطالما استمر أعواماً طويلة .. وأناسٌ يرون أن هذه الحرب لم يكن لها إلا هدف واحد هو السيطرة على النفط العراقي ..

ولكن مما لا شك فيه هو أن جميع هؤلاء كان يترقب الساعات الطويلة كل يوم خلف شاشات التلفاز يستمعون إلى الأخبار وينظرون ما يعرض على هذه الشاشات من مظاهر ووقائع هذه الحرب .. وما يعرض عنها من تحليل سياسي وعسكري وغير ذلك ..

ثم بتاريخ 7 إبريل سقطت بغداد بيد الدولتين المعتديتين .. وبعد ذلك عرف كل الناس أبعاد هذه الحرب خلال السنوات التي مرت منذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظات حيث لم يتحقق أيٌ من الأهداف المعلنة لهذه الحرب .. بل انتقلت البلاد إلى حالةٍ من الفوضى والقتل والإرهاب والفقر والسرقة والنهب والمؤامرات السياسية والاقتصادية .

ولكن ما لا يعلمه معظم هؤلاء قصة عبد الرزاق وإخوانه الذين خرجوا إلى العراق بهدف الجهاد في سبيل الله تعالى ودفع المعتدين عن بلاد العرب والإسلام ..

كان عبد الرزاق شيخاً خطيباً وإماماً في قرية من قرى ريف دمشق .. وكان في الفترة التي سبقت إعلان الحرب يحث الناس على الجهاد في سبيل الله تعالى خاصةً إذا حصل اعتداء على بلاد الإسلام ..

كان يبلغ من العمر اثنان وثلاثون عاماً متزوج لمرتين وله من زوجته الأولى ابن وابنة .. ولكن أمهما مطلقة .. وله من زوجته الثانية ابنةٌ آيةٌ في الروعة والجمال .. ولم تكن قد أتمت السنة من عمرها ..

عندما أعلنت الحرب وبدأت بالهجمات الجوية كان الشيخ متحفزاً للخروج في سبيل الله تعالى .. وبالفعل عقد العزم على الخروج عندما علم أن سلطات بلاده تسير باصاتٍ عبر البر إلى العراق للمجاهدين العرب ..

فما كان منه إلا أن فاتح أخاه محمد وزوجته بنيته في الجهاد .. حاولت زوجته أن تثنيه عن عزمه ولكنها عجزت .. وحتى أخوه حاول جاهداً أن يثنيه عن هذا العزم ولكنه كان في نفسه يحاول أن يتبين صدق نية الشيخ لإعلاء كلمة لا إله إلا الله ..

ولما تأكدت له صدق نية أخيه بالجهاد صارحه بما كان يكتمه :

محمد : بصراحةٍ يا أخي رغم أنني كنت أقول لك ألا تخرج للجهاد لأجل زوجتك وأولادك .. ولكنني كنت أحاول الوقوف على صدق نيتك .. لأن القتال قد يكون فيه الموت .. فلا ينبغي لك أن تموت على نية جاهلية ..

ولكنني بعد أن تأكدت صدق عزيمتك .. وثبات نيتك .. فأنا أقولها لك إذهب على بركة الله ووالله لن يضيع الله أبناءك أبداً ..

عبد الرزاق : شكراً لك يا أخي وأنا على نيتي إن شاء الله ..

وأمضت زوجته الليلة تبكي وترجوه ليعود عن نيته لكنه أبى ذلك ..

وفي صباح اليوم التالي خرج عبد الرزاق من بيته في زيارةٍ لأقربائه وأصدقائه يودعهم ويستسمحهم ويخبرهم بعزيمته للجهاد ..

وكان آخر من أراد أن يراه قبل أن يخرج إلى العراق هو والده ..

وبالفعل قبيل المغيب قرع جرس منزل والده وفتح الأب الباب مرحباً بابنه الذي طالما أحبه واعتز برجولته ومواقفه الطيبة ..

كانت زيارةً قصيرةً لم تدم أكثر من نصف ساعةٍ أو يزيد .. وقبل أن يغادر منزل والده التفت إليه مبتسماً وقال :

سأذهب إلى العراق للجهاد في سبيل الله ..

الوالد : اقعد في بيتك وانتبه على أولادك وزوجتك وكفاك جنوناً .. العراق لا ينقصها الرجال ..

تبسم عبد الرزاق وقبل يده والده ثم غادر ..

وكان على موعدٍ في اليوم التالي مع أخيه محمد ليوصله بسيارته إلى مكان تجمع الباصات ..

أخذ محمد معه ابنته ذات السنوات الخمس وابنه ذو السنوات الأربع لأن زوجته كانت تريد الذهاب إلى الطبيب لأنها كانت حاملاً في شهرها الثاني ..

ذهب الأخوان ومعهما الولدان إلى مكان التجمع .. وما إن وصلا حتى وجدا قافلة الباصات تهم بالمغادرة فتعانقا وقبلا بعضهما وجلس محمد في سيارته ينظر إلى أخيه عبر نافذة الباص .. واهتاج قلبه وأراد أن يلحق بأخيه .. ولكن ماذا يفعل بهذان الولدان .. فكر في أن يتركهما مع أحد من المودعين الذين كانوا يودعون أبناءهم أو أقرباءهم .. ويدله على عنوان بيته ويهبه سيارته ويلحق بأخيه ..

ولكنه خشي أن لا يؤدي ذلك الرجل الأمانة ولا يصل الولدان إلى أمهما فيحترق قلب الأم على أولادها فضلاً عن زوجها ..

وانطلقت الباصات حتى غابت عن نظر محمد فعاد أدراجه إلى منزل خالته التي هي أخت زوجة أبيه حيث لقي هناك مصادفةً زوجته ووالده وزوجة والده وأهل البيت ..

كان وجه الوالد محمراً من شدة الغضب .. وما إن دخل محمد المنزل حتى انفجر الأب غاضباً وألقى اللوم على محمد لأنه لم يخبره أن أخاه كان جاداً في ذهابه إلى العراق ..

ومضت الأيام والأب يترقب أخبار ابنه بقلب مجروح حزين ..

وبعد أسابيع قليلةً جاء اتصال هاتفي إلى منزل محمد الذي لم يكن ساعتئذ في منزله .. فردت زوجته ..

لم تكن المكالمة الهاتفية طويلةً :

المتحدث : السلام عليكم هل هذا منزل الشيخ محمد أخو الشيخ عبد الرزاق ؟؟

الزوجة : وعليكم السلام أجل ..

المتحدث : هل الشيخ محمد موجود ؟

الزوجة : لا إنه في العمل ..

المتحدث : يؤسفني أن أخبرك أختي أن الشيخ عبد الرزاق مصابٌ في مشفىً في الكويت وحالته خطرة ..

الزوجة : ولكن ما اسمك وما هو رقم هاتفك ؟ وكيف عرفت هذا الخبر ؟؟

المتحدث : لا أستطيع أن أخبرك باسمي لأنني كنتُ أسيراً لدى العدو وقد استطعت الهرب من المشفى .. وسأتصل بكم فيما بعد ..

وأغلق سماعة الهاتف تحت دهشة الزوجة وصدمتها ..

لم تستطع الزوجة إلا أن تسارع للاتصال بزوجها لتخبره الحدث ..

حضر محمد إلى منزله واتفق مع زوجته على كتمان الخبر لئلا يتسبب لأبيه بالحزن والمرض ...

ومضت أيامٌ كانت قاسيةً جداً على كل من محمد وزوجته لما في صدرهما من سرٍ مؤلمٍ وعلى الأخص عندما يذهبا في زيارة الأب ..

ثم جاءت مكالمةٌ أخرى للرجل نفسه :

المتحدث : السلام عليكم أختي الكريمة لا أستطيع إطالة الحديث ولكنني استطعت التسلل إلى المشفى الذي كان فيه الشيخ عبد الرزاق فلم أجده هناك ..

ولما سألتُ عنه أخبرني أحد المرضى في الغرفة أنه قد استشهد .. وأغلق الهاتف ..

كانت الصدمةُ أقوى .. والخبر أشد إزعاجاً ..

حضر محمد إلى البيت وأخذ زوجته وولديه على عجل وخرج إلى منزل الأب ..

لم يكد الأب أن يرى ابنه الذي لم يعتد على زيارته في هذه الساعة من النهار حتى قال له :

الأب : ماوراءك ؟؟ هل مات أخوك ؟؟

محمد : إنه في المشفى ..

الأب : لا تكذب علي .. هل مات أخوك ؟؟

محمد : أجل لقد استشهد يا والدي ..

انفجر الاثنان بالبكاء .. بكاء أبٍ حرم من ابنه الذي طالما افتخر به ..

وبكاء أخ لطالما تمنى لو أنه ذهب إلى العراق مع أخيه لينالا شرف الشهادة معاً ..

ومضت أعوامٌ ثمانيةٌ ولا يزال الأب يذكر ابنه ويبكي .. ولكن بكاءً بلا صوتٍ أو دموع .. وكلما رأى أولاد ابنه بكى ..

أنِفَ الدنيا ومتاعها .. وعكف على الحزن والألم ..

ولا يزال يحتفظ بمعطف ابنه الذي نسيه عنده عندما أتى ليودعه قبل أن يذهب إلى العراق .. ويمسك به في غفلة من عيون الناس ليشم رائحة ابنه .. بنفسٍ مليئةٍ بالكبرياء .. ولكنه كبرياءٌ منكسر منذ أن فقد ابنه .. وربما نام في كل يومٍ على أغنية سيدة الغناء أم كلثوم :

أراك عصي الدمع شيْمتك الصبرُ .... أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمرُ

بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعــــــــةٌ .... ولكن مثلي لا يذاع لــــــه سرُ

إذا الليل أضواني بسطتُ يد الهوى .. وأذللتُ دمعاً من خلائقه الكِبرُ


قصةٌ من الواقع بتصرفٍ بسيط

وعلى هامشها أضيف الكلمات التي كنت كتبتها في مدونتي سابقاً وتجدونها بعنوان : "فداك يا عراق .."


إهداء إلى أهلنا في العراق ..

وإلى أخي الذي خرج من دمشق واستشهد في أرض الرافدين على أبواب بغداد في خنادق القتال مع المجاهدين الأحرار ..


أوغادٌ في أرضٍ كَسَرت وحدتَها .. فرّقت كلمتَها .. نبذَتْ كل الأديان ..

يَصُولون .. يجَوُلون .. يُفسِدون كل جميلٍ .. يُحرِقون زهرَ الأقحوان ..

يلطّخون كلَّ طهارةٍ .. ويقتلون المصلحين .. ويدّعون أنهم إخوان ..

جاؤوا من خلف البحار والمحيطات والخِلجان ..

يريدون فسادَ بلاد العُرب والإسلام..

هذي العراق يا أختاه تئن تحت وطأة الحرب والآلام ..

هل مِن مسعفٍ .. هل من طبيبٍ أو إنسان ..

يقول للأوغاد .. أنتم عارٌ على هذا الزمان ..

جعلتُمُ الأوطان غير آمنةٍ وتدّعون نشْرَكُمُ الأمان ..

لكِ الله يا عراقُ متى يولدُ حَجّاجُ هذا الزمان ..

فيطرُدُ الأوغادَ من أرضٍ هي موطئُ العلمِ والفقهِ والقرآن ..

إليكِ يا عراقُ قدمتُ أخي شهيداً على أرضِكِ أبتغي رحمةَ الديّان

من دمشقَ إلى بغداد إلى الرياض والقاهرة وعمّان ..

كلنا إخوةٌ في الله والإسلام والإيمان ..

فداكِ يا عراقُ أمي وأبي وروحي ودمي .. فداك أخي .. أطهرُ إنسان ..



بقلم المدون الرائع ظلالي البيضاء صاحب مدونة ظلالي البيضاء

الأحد، 9 أكتوبر، 2011

نشيد الزفاف 26



   لمتابعة الجزء السابق من هنا  ؛

زهرة الأسم و الرسم ، خفيفة الظل توزع الإبتسامات ، و تنثر بذور السعادة في القلوب أينما حلت أو رحلت ، سلسة اللسان ، إجتماعية ، تمتلك الحكمة ، و تتمتع ببصيرة و رؤية ناجمة عن خلاصة العقل لا الطيش ، جادة في تعاملاتها ، و لا تعرف اللف أو الدوران ، لها في الجمال باعٌ طويل يرسم على وجه من ينظر إليها دهشة يتلعثم معها لسانهُ لبهائها و روعتها ، و مع ذلك لا يزيغ عنها بصرها مهما أحاطتها الأضواء الباهرة ، و تقيم حدود الله في كل تعاملاتها .
 
كانت زميلتهُ في العمل ، تجلس على المكتب المقابل لهُ 8 ساعات طيلة خمس أيــام في الأسبوع ؛ حيث تبادلا  الحوار في كل شئ ، المشاكل الأسرية ، و الأحوال الساسية ، و الأوضاع  المادية حتى الأسرار و الحب أيضاً و ما يُحْدِثُهُ في القلوب حتى تنزف شوقاً و رغبة في الحبيب ، إلا أنهُ لم يحدث أن باح لها عن مهية مشاعره إتجاهها أو أي كلمة حب ، و ذات مرة إتصل على هاتفها النقال من على مكتبهُ المقابــل لها و هو ينظر إليها عيناً بعين ، صارحها بحبه لها و هيامهُ فيها ، في البداية أصابها العضال من وَهل صدمتها بما سمعت منه ، و ألجم الذهول لسانها ، لكنها في ذات الوقت حمدت الله في سرها أن وفر عليها مشقة التحايل في طريقها لإعلان حبها لهُ ، ابتسمت في وجهه ابتسامة رضى و لم تنطق بكلمة  .

توالت عليهم الأيــام ، و مرت متلاحقة و إتفاقا على الزواج ،  كان يصر ألا تغيب عن عينه للحظة ، لا يفارقها أبداً ، كيف لا و هي الحلم الذي يراودهُ ، و يرنو أمامه على قدمين بخفة ، و رشاقة متنكراً في صورة زهرة يفوح منها الأريج العطري الذي يسحر الألباب و يذهب العقل من الرؤوس إلى حيث لا رجعة . 

و في إحدى الأيــام التشرينية الباردة بعد إنتهاء عملهما و قفا ينتظرا قدوم الحافلة التي تقل كل منها إلى بيته ، و على حين غرة إرتعدت غيمات السماء ، و تدفقت أول قطرات بواكر الشتاء ، و حال أحس بها ترتجف من البرد خلع معطفهُ و وضعهُ على كتفيها رغم أنهُ كان يحس بنفس لسعات البرد التي يرتجف منها جسدها ، و بإبتسامة حب و حنان تدارك علامات التعجب التي رسمت على تقاسيم وجهها الملائكي ، و قال :- ’’ طالما أن زهرتي بجانبي تمنحينني الدفء ، فلاحاجة لي للمعاطف ! ‘‘

ضمت معطفهُ إلى جسمها و هي تقول :- ’’ إرفع عيناكَ نحو السماء و إسمح أن تهطل فيها قطرة ماء و إدعوا الله لأن الدعاء ساعة المطر مستجاب ! ‘‘ 

قطعت كلامها و سألته بتعجب :- ’’ ماذا تقول ؟ ‘‘ 

قال :- ’’ أنــا لم أقل شئ . . ! ‘‘

قالت :- ’’ ألم تقل منذ قليل الجنة يا زهرة تناديكي ؟ ‘‘ 

دارت عيانها في محجريهما عدة مرات ، و ربتت بأطراف أصابعها على ذراعه مرتين برفق و حنان ، و في نفس المكان الذي كانت فيه اللمسة الأولى كانت الأخيرة ، و خرجت روحها كالنور من جسدها المطروح على الأرض الغارق بماء المطر ، و الدم الأحمر ، و تلاشت في الضباب ، طاح عليها و لمها إلى صدره و هو ينوح على جسدٍ بلا روح ، و إستعدت الملائكة لتزوف عروسه في السماء لا فوق الأرض . . و كان زفاف . . و كان عرس . . و كانت شهادة !
في لحظة إسوداد قلب ، و شتاءٍ عاصف خرج من بيتهُ قاصداً المقابر يبحث في ذلك المكان عن زهرته ،  و أهاتهُ تدوي في أرجاء المكان و دموعه تهطل للكون تشكي الفراق و لوعة الإشتياق ، يتحدث مع نفسه مخاطباً زهرتهُ التي إختفت من دنياهُ جسداً و روح ، يخاطبها و ما من مجيب ، فلا حياة لمن يناجي !


فــإذ بريحٍ عاتية تهب تكاد تقتلع القبور من جذورها تحمل معطفاً طار من على إحدى القبور ، و تلفحهُ كما تتلحف السماء الغيوم ، تقرفص و إقترب من قبرها أكثر و أكثر ، و صرخ صرخة غضبٍ إرتعدت لها غيمات السماء أكثر ، و صمت لبرهةٍ حزينة تنسكب من دموع ٍ ظمأى ، و بين السكون ، و بين الدموع ، و خلف العيون ، و داخل الفؤاد ستبقى زهرة حلمهُ الراقد تحت ركام القبر .
خرج من المقبرة عبر دروب الضياع و وحشة الليل المسكون باللوعة و الأسى يتبعثر في إحتراق ، ينعي مأساتهُ ، و الريح من خلفه يعزف كلمات الشوق على وتر المطر المنهمر ، و السنين تئن  جراح ٍ في الصمت تسيل ، و على حدود اللامكان خلع ذلك المعطف الملطخ بدماء الغائبين الحاضرين ، الشهداء العاشقين ، حيث ضاعت الأحلام و الإبتسامة في ضباب الموت ، و خلع إحساسهُ بالبرد و الدفء كما خلعهُ أول مرة حين خلع معطفهُ و وضعهُ على أكتاف زهرة .


و على دموع اليأس جفت الصرخة ، و استلهمت آذانهُ نشيد الرفاف :- 

’’ في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء

فليعد للدين مجده و لترق منا الدماء 

في سبيل الله قمنا نبتغي رفع اللواء ‘‘
 
 
 
بقلم المدونة الرائعه haneen nidalصاحبة مدونة أحرف الحنين