الجمعة، 27 مايو، 2011

معطف من التحرير 10

كانت تبحث عنه في كل مكان, القهوة البلدي التي تفترش آخر الحاره, المكتبه الصغيره التي تقع بالشارع الرئيسي, محل عصير القصب القريب, و كل شارع و حاره مرا بها سوياً و كل مكان جمعهما معاً علها تجده, بعد أن سألت عنه والدته التي لا تعرف عنه شيأً منذ أسابيع, هل عادت له بعد هذه الرحله الطويله المضنيه مع الحياه حتى لا تجده.


تجلس في المساء بين أسرتها الصغيره مرتدية احدى ثيابها القديمه محاولة أن تسترجع بعض من الحنان و الدفئ الذي إفتقدته في أعوامها الماضيه لا ينقصها الا أن تجده, ليس بدافع الحب تبحث عنه إنما بدافع الشغف جزء منها يشتاق لأن يراه و يسمعه , تتوق لأن تعرف أخباره و ما وصل له خلال سنوات زواجها و بعدها عن الحي, لكن ما أقساه القدر يأبى دائماً أن يلبي أمانينا عندما تكون في أوجّها فيزيد البعد و تطول الأيام و كأن الزمان و المكان قد تآمرا معه على إستعجال الإنسان.


حتى سمعت من صديقه أنه في ميدان التحرير منذ بدأ المظاهرات, يا إلهي و ما علاقته بالسياسه و المشاغبه أليس التحرير كما تسمع من التليفزيون المصري هو مرتع المخربين الهمج و الخائنين الذين باعوا أنفسهم لحساب منظمات معينه و الطامعين في السُلطه, ما علاقته هو بكل هذا ومع  أي فريق هو يا ترى, تقاذفت الأسئله في رأسها ليس لها من إجابات حتى قررت أن تبحث عنه هناك ليجاوبها بنفسه.


وقفت مشدوهه من الأعداد الغفيره التي لم تتخيل نفسها بينهم يوماً, هناك فتاه عشرينيه تفتش كل من تدخل الميدان هي و الكثير من الشباب و الفتايات وقفوا ينظموا الدخول ويتأكدوا من عدم وجود أي غرض قد يتسبب في أذى, إعتذرت لها الفتاه بشده و هي تفتشها و أخبرتها أنه من مصلحة المتظاهرين ألا يكون  بينهم أي مثير شغب, كانت مبهوره بالمكان الذي مرت به مئات المرات و لم تتخيل أبداً أن يكون بهذا المظهر الغريب الثائر.


هناك وقف الشباب , الرجال , الفتايات , الأمهات و الأطفال أيضاً يهتفون يضحكون يبكون و يتحدثوا بلسان واحد, حاولت أن تسأل عن (حسن) فردّ بعض الشباب الذين وقفوا لينظموا الوفود الآتيه للميدان " أتقصدين حسن المصري الذي وقف أمام السياره المدرعه بشجاعة الفرسان ليحمي المتظاهرين...إنه بطل بحق هو هنا منذ يوم 25 يناير يدافع و يناضل لكننا لا نعرف أين ممكن أن يكون الآن".

لمعت عيناها ببريق الحب, حب من نوع آخر حب مصريته و بسالته, طافت بالميدان لتجد البعض يتغنوا بحب مصر و بأحلامهم بالمستقبل و البعض يحاضر الناس و يشرح لهم أهمية الثوره و أهدافها في محاربة الفساد لآخر نفس, وجدت رجال دين يشجعوا الناس على الصمود و الصبر و الثوره على الظلم, رأت الكل يهتف و ينادي بإسقاط نظام ظالم فاسد جائر على الحقوق الانسانيه و السياسيه, سمعت بأن الخيام المنصوبه تحوي كل أطياف الثوار أطباء, محامين, مثقفين , موظفين, و رجال شرطه و جيش أيضاً في سريه تامه,  بدأت مراوح عقلها تدور لتطرد الهواء الساكن و تبدله بنسمات جديده من حرية من نوع خاص لم تعرفها من قبل بل و لم تهتم أن تعرفها.


سألت بعض المتظاهرين عن (حسن) فرّدوا عليها " أتقصدين حسن المصري الذي ألقى بنفسه على عساكر الأمن دون إكتراث بقوتهم و تسلحهم ليثبت لهم أنه لا يخافهم و أنه الأقوى بإيمانه...إنه معنا منذ أول يوم لكن لا نعرف أين هو الآن", و لكن من أين أتى حسن بكل هذه القوه و لماذا إختار طريق الثوره إنها لا تذكر أنه كان ينتمي لأي تيار سياسي أو أنه حتى كان يهتم بالسياسه و أحاديثها, إنها مُصره على أن تجده و تسمع منه.
أمهات يحملن صور أبناءهن الذين قُتلوا دون سبب سوى أنهم طالبوا بحق ضائع لأهل بلدهم, قتلوا لأنهم إختاروا عدم الصمت و الخروج عن الخوف, قتلوا و صدورهم عاريه جريئه في وجه قاتلهم, قتلوا لأنهم لم يريدوا أن تظل مصر على هامش العالم, قتلوا لأنهم إعترضوا على أن يظلوا منهوبين مسروقين و ربما لأنهم أرادوا أن يشعروا بآدميتهم و حقهم في حياة شريفه هادئه هكذا تقول الحكايات و الحقائق التي كانت غائبه عنها و هي تجلس أمام شاشة التليفزيون أو بين دكاكين الملابس و الديكور و العطور.


أين حسن الشاب المصري الأسمر الجسور الضعيف في مشاعره القوي في مواجهته, حسن ذا القلب الميت في دفاعه عن بلده و النابض في حبه لها " رأيت حسن المصري يواجه عساكر الأمن و يلقي قنابلهم بعيداً كي لا تصيبنا" " حسن المصري رأيته و هو يحمل الجرحى للمستشفيات الميدانيه" " وجدته في يوم الأربعاء الدامي و هو يتصدى للمعتدين بيديه خاليتين يسقطهم كما يسقط الحق الباطل" " هذا الشاب المصري يقف طوال الليل يحمي المتحف المصري أكثر من حمايته لمنزله أو حتى لحياته"  " نعم رأيت حسن وسط الميدان يهتف بأعلى صوت و نحن نردد"...


أنزل الليل ستائره دون أن تشعر, قامت لتصلي في دائرة كبيره من مئات الدوائر التي إصطفت بالميدان لتُصلي في مشهد مهيب تقف عنده الألسنه و الأقلام فاقدة التعبير, و أحاط المصلين الشباب القبطي بسواعد من حديد ليحموهم من أي إعتداء متوقع في مشهد يسجله التاريخ بكل إعتزاز و فخر, باتت ليلتها في أحضان الميدان تسمع الحكاوى و الأشعار الحلمنتيشيه و الفصحى و العاميه, تسمع الحوارات السياسيه و إسقاطتها الإجتماعيه, تضحك على النكات الساخره هنا و تدمع على حكايا الشهداء هناك, تشاهد العروض المسرحية و أغاني الجاز و تستمع لنغمات العود, و تنصت للخطب و العظات الدينيه, الكل في حالة من الحب و المؤازرة التسامح و لأول مره تعرف معنى (المواطنه).

أدركت أيضاً لماذا أتى حسن هنا, أتى بعد أن تخرج ليجد نفسه عاطلاً لسنوات ثم عاملاً بمقابل لا يتناسب مع نصف رجل, لم يستطع أن يحملها لبيته و لم يخدعها بمعسول الكلام فتركها لمن هو أقدر منه, عاش عمره يحلم و لايحقق الأحلام حتى بات لا يحلم, يعيش ليسخر و يتذمر حتى يموت, طعامه مسمم ماءه ملوث, خبزه ملطخ بالذل, كرامته مفقوده, أمه مريضه دون علاج و أخته عروسه دون زوج, و شهادته ورقه دون معنى, لهذا ثار حسن.

يا أهل الميدان أين حسن؟ " رأيته هناك يوزع البقسماط و كسرات من الخبز للجوعى" " حسن المصري يضمد الجرحى يهون عليهم و يحمل لهم الدواء" " ربما هو حسن الذي يعد أهالي الشهداء بأنه لن يضيع حقهم حتى لو كلفه الأمر حياته" " حسن المصري إنه يشبه أحد الشهداء, المبتسم ,الذي لم يتعرف عليه أحد" " أو هو هناك يقبض على لصوص و بلطجية يثيروا الرعب في قلوب الناس".

الشاشه الكبيره تنبأ بخطاب رئاسي, الملايين تترقب إنه خطاب التخلي إنه سقوط النظام, الألوف خروا ساجدين شكراً لله الزغاريد و الفرح في كل شبر من الأرض الميدان يتزلل من الفرحه العارمه...تبحث هي بين فرحتها عن حسن, تظل لا تجده, تقضي الليل مع الثوار تنظف المكان و تدهن الأرصفه و تقلم الأشجار كي يعود أجمل مما كان و تبدأ مصر عهد جديد مشرق.

شعرت أنها أصبحت جزء من هذا المكان روحها تغيرت و كأنها ولدت مره أخرى أو كأن شعلة أوقدت داخلها تنير لها طريقاً من التغيير, لا ينقصها سوى أن تجد حسن لتسأله و تسمعه و تحكي له , شيأّ مكوم قريب منها ظهر عندما بدأ الميدان يخلو, إقتربت أكثر يبدو أنه شئ مألوف, إنه معطفها الذي خلعته عنها منذ أيام و تخلصت منه و من قيوده,و قبل أن تفكر في كيفية عثورها عليه أدركت أنها لن ترى حسن ثانيةً.

الكل يتحرك ذاهباً لبيته و أهله و ناسه و هي وحيده داخلها ساكن و هادئ كالهدوء الذي ينعم به الأصم وسط الزحام, تحسست المعطف شعرت أنه محمل بالهموم البشريه و المشاعر الانسانيه ملمسه الناعم و طلته الفخمه تغيرت و لكنه ظل محافظاً على كونه قطعه ثمينه تزيد قيمتها مع الوقت, رأت بين ثناياه شعاع خافت و كأن الميدان قد ترك به نفس الأثر الذي تركه بها, أيقنت أنها حتى وان لم تستطع أن تغير ماضيها فعليها أن تغير المستقبل , إرتدته و ذهبت لحياتها القديمه سيكون معطفها درباً من الحريه بعيداً عن القيود.
 
 
 
 
                               بقلمي... شيرين سامي

الثلاثاء، 24 مايو، 2011

سيندريلا و الأميره النائمه 9

سندريلا والأميرة النائمة

محتضنا المعطف كطفل صغير يحمل دميته ويخاف ان ياخذها منه احد لقد وجد سعادته مع ذلك المعطف وبه ينظر بين الوجوه في الميدان باحثا عن سندريلا التي نست معطفها وهربت قبل بزوغ الفجر
ينظر الى العيون ويلمس نبض القلوب حتى يصل اليها
أين انتي؟
من أنتي ؟
بين كل تلك الملايين المنتشرة في ارجاء الميدان  يناديها
وبينما يبحث وينظر ويتدقق شعر انه مراقب نعم ذلك الشعور حين ينظر اليك شخص ما نظرات مباشرة لا يرفع عينيه عنك
عيناه كأنها كشافين نور يسلطهما على وجهك فتغشى عيناك ولا ترى وهو ممن يكرهون ان تسلط عليه الاضواء فالكاتب دوما يتوارى خلف الكواليس تاركا الشهرة والاضواء لابطال قصته
 هاملت عطيل مكبث ربما يكونون اشهر من شكسبير فنحن نعرف قصصهم وتاريخ حياتهم بينما يندر ما نعرفه عن حياة شكسبير لذلك هو يتوارى ويخاف من الاضواء 
نظر الى مراقبه اذ هي فتاة باهرة الجمال تراقبه شعر بالحيرة فتقدم نحوها قال لها : هل هذا المعطف لك؟
صمتت لم تنبس بشفة تعجب هو لماذا تنظر الي هكذا هل هناك شيء لا يروقها
كرر عليها السؤال فصمتت واومأت فقط برأسها وضع  المعطف بين يديها
وبدا حديث القلوب الصامت حديث لا تنطقه الشفاه
- نعم انه انت .
انه انت من بحثت عنه طيلة الاعوام الماضية من انتظرته ليحملني على فرسه الابيض ويطير بي بعيدا الى عالم آخر عالم عشت فيه اعواما واعواما  لقد انتظرتك ثلاثين عاما هي فترة حياتي على تلك الارض رسمت لك صورا في خيالي ربما كانت صورتك في خيالي اجمل منك الآن لكن قلبي يحدثني انه انت من انتظرتك انه انت من ملك قلبي وعقلي من قبل ان اعرفه او اراه انت من عشت معه مراهقتي وصباي انت من غنيت له اغاني عبد الحليم و فيروز
الا تتذكر حين اردت ان استنشق رائحة البحر فحملتني على بساطك السحري وطرت بي بعيدا حيث الشاطىء
الا تتذكر خمائل الورود التي نحتنا عليها قلوبا وتعاهدنا الا نتباعد؟
اما تتذكر حين سألتك متى ستحملني وتاسرني داخل عالمك فلا اعود لعالمي فلم تجبني
- بالتأكيد لستي انتي 
لستي انتي من اقتحمت حياتي بالامس لتضخ الدماء في عروقي وتنبئني انني ما زلت احيا على تلك الارض لست انتي من أسرتني في تلك البقعة بين الادراك واللا ادراك لستي انتي من جعلت الشموس تدور لها والبلابل تغرد لها وصنعت شخصيات عديدة  فقط كي ارسم لها السعادة
انك جميلة حقا ولكنك لستي انتي قلبي اسير امرأة لم ارها رسمتها وصنعتها من الكمال فدبت بها الحياة وحين اشتد عودها اسرتني وهربت كالسندريلا قبل بزوغ الفجر
-----------
كانت هائمة حالمة تنظر فقط الى عينيه تستجديه ان يحملها بعيدا على صهوة جواده
كان حزينا عيناه لا مبالية بنظراتها فصاحبة المعطف ليست السندريلا التي يظنها و ها هو يعود الآن بلا معطف وبدونها بحسرة العالم يدور على عقبيه مبتعدا لم يرى نظرات الهلع على وجهها وهي تراقبه يبتعد
أمعقول بعد كل ذلك الانتظار تبتعد هكذا؟ لقد انتظرتك طويلا يا فارسي ويا اميري
ناديتك طويلا في عالم الارواح قلت لك انا اسيرتك وحبيبتك ودميتك انا انت الم تسمعني؟
لقد ظننتك سمعتني فاتيتني لتنتشلني فكيف تتركني هكذا
هل انا نائمة ولم ارك حقيقة ام كنت حالمة رأيتك فاستيقظت على نظراتك اللامبالية بحالي
آآآآآآه يا قلبي عشت اعواما تنتظر من لا يأتي ومن ليس له وجود
الهتافات تعلو في الميدان (الشعب يريد اسقاط النظام)
النظام الذي تحكم بها اعواما طويلة كانت لحظات السعادة في تلك الاعوام هي فقط الاحلام احلام اليقظة واحلام النوم كلها كانت ملك فارسها الذي يأخذها على صهوة جواده ويطير بين السحاب يجرون بين النجمات يجلسون على سطح القمر يضحكون يتغامزون ينتشلون من الواقع المرير لحظات المرح
ظلت كالأميرة النائمة احلامها فقط هي ما تبقيها حية كانت الاحلام زادها وقوتها وتنتظر فارسها المغوار الذي يتخطي الاسوار لينتزعها من احلامها الى واقعها السعيد لكن حين اتى فارسها نظر اليها بلا مبالاة وتركها وحيدة تصارع الواقع والنوم تصارع الحياة والموت وحدها فيالحسرتها
الشعب يريد اسقاط النظام
نعم حان الموعد يا دموعي ان تتوقفي وان اثور عليك يا حلمي لن اصبح اسيرتك وها هو معطفك الذي من الممكن ان يكون ذكراك الوحيدة سألقيه على جنبات الميدان حتى امحو ذاكرتك واستقبل حياتي بدونك
وبالفعل القت المعطف على جنبات الطريق وعادت الى الجموع هاتفة : ارحل ارحل
بينما هو كان يبحث عن زهرته السندريلا في ميدان غني بالزهور لكن هل لها وجود قد صنعها من الكمال فالكاتب دوما يبحث عن الكمال والجمال اللانهائي
 لكن شيء ما في عينيها لا يدعه يفكر في سواها فكشافات الضوء قد تبهر عينيك في البداية وتغشيهما ولكن بعد بعض الوقت تتعود فترى الصورة اوضح لذلك تملكه احساس العودة اليها فعاد ادراجه اليها
نظر اليها قائلا : اين المعطف
- تخلصت منه فهو ليس لي
- لكنك قلتي هو لك
-نعم ظننت ذلك لكن فارس الاحلام لا يوجد الا في الحكايات فانا الاميرة النائمة التي انتظرت فارسها يوقظها من نومها
تعجب من اجاباتها لكنه وجد نفسه يقول :السندريلا ايضا لا توجد الا في الحكايات
فابتسمت قائلة : اذا لماذا لا نصنع حكايتنا بانفسنا؟
حين قالت ذلك لم يستطع ان يمنع نفسه من التمعن في عينيها لقد تحولت كشافات النور الى بحور عميقة بحور بلا شطئان بحور تغرق من يريد ان يسبح فيها رأى في عينيها كل قصصه ورواياته رأى كل بطلاته اللائي كان يزيل لهن كل صعب
بل رأى نفسه التي كان لا يعرفها اين كنتي طوال الاعوام الماضية واين كنت طوال السنين
ابتسم: نعم لنصنع حكايتنا
الهتافات تتردد في الميدان (اذا الشعب يوما اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر )
نظر حوله  ليرى العديد من السندريلا اللاتي قررن التمرد على زوجات ابائهن الطغاة الفاسدين وراى العديد من الاميرات النائمات اللاتي قررن الاستيقاظ من غفوتهن لينقذن ما تبقى من واقعهن ورأى العديد من فوارس الاحلام يشرعون في حمل حبيباتهم على صهوة افراسهم ويطيرون بها بعيدا الى عالم الاحلام
نعم لنصنع حكايتنا هكذا قالت له وهكذا فهم وعرف لماذا دخل المعطف حياته ؟
دخل المعطف حياته ليعرف ان له قلبا مازالت له القدرة على النبض وعقل مازالت له القدرة على صنع الحكايات وروح مازالت لها القدرة ان تجد وليفها
لذلك اخذها على صهوة جواده وطار بها عاليا محلقا في سماء الحرية متحديا قوانين الطبيعة فهي معه وبها يستطيع ان يصنع حكاية جديدة سعيدة حكاية ميدان و حلم وحرية
بينما هي عندما القت المعطف وتمردت على احلامها لم تكن تعلم انها ستحوذ على فارسها وحلمها مرة اخرى لتصنع حكاية جديدة حكاية كتبها قلبين وروحين واحلام عديدة
 
 
 
بقلم الكاتب المبدع مصطفى سيف

الأحد، 22 مايو، 2011

معطف من نوع آخر 8

كأنه صادق حانات وكؤوس النسيان , يعود كل ليلة إلى غرفته المعتمة التي عششت في جوانبها خيوط العنكبوت , كروحه تماما , تجد الكتب المتراصة كأنها تجذب الغريب أن يرفعها , ينفخ الأتربة من فوق الغلاف , ويقلب بين الصفحات التي ما أن يفتحها , تهاجمه رائحة الأوراق العتيقة , الأوراق الصفراء الشاحبة التي تاهت بين سطورها الكلمات.
كاتب قصص , نعم هو كاتب قصص وحكايات , يعشق البوح , يعشق أن يخلق أبطاله ويزج بهم في أحداث تحركهم وتدفعهم دفعا, يتحكم بمصائرهم ويقرر سعادتهم وبؤسهم , أبطال على الورق , يشكلهم من الحروف والكلمات على هواه, هنا على مكتبه بين أقلامه وفي غرفته المنعزلة عن ضجيج الكون , يجلس بين أبطاله و يشعر أنه الآمر الناهي , هنا فقط وليس في أي مكان آخر.
بالتأكيد قصاصاته لا تأمن له خبزاً كافياً يقتات عليه , بل له وظيفة أخرى لايحبها ولا يحب ذكرها أبداً بين أصدقائه , قالوا يعمل  نادلاً في خمارة يقدم كؤوس شراب  , وقالوا يعمل في مكتبة عتيقة في مصر القديمة مع كهلٍ نساه الزمن , وقالوا يعمل مع طبيب للأمراض النفسية والعقلية كتمرجي , قالوا وقالوا كثيراً ولا أحد يعلم الحقيقة أين ؟ ... يستيقظ مع انسحاب آخر أشعة للشمس , ليبدأ رحلة ليلية يعود بعدها مع شمس الصباح ... وهكذا دواليك .
الإنسان كائن محبٌ للبوح ... عاشق ومتيم ومجذوبٌ بالحكايات حتى لو كانت أساطير وخرافات , ولكنها تومض أجزاءاً في سبات عميق , عندما تبدأ في سرد حكايتك , تجدهم قد أودعوا لديك أذانهم وخيالهم ... تتسارع نبضات قلوبهم عندما تقترب الأحداث من ذروتها , من اللحظات الفاصلة , تجدهم قد قدموا لك دموعهم تأثراً بشخوص في خيالك أنت , ولكنك كأنك تزرعها في خيالاتهم , لتجعل تلك الشخوص من لحم ودم , كأنك تصورها أمامهم وهم يمارسون حياتهم اليومية , هنا يجتمع أفراد أسرة يتناولون وجبتهم الآخيرة وهم لا يعلمون ذلك , وهنا فتاة في العشرين تقف خلف النافذة ولا تعلم أن حبيباً يطرق الأبواب الأن ,ليأخذها إلى عالم حلمت به منذ أمد , وهنا سائق عربة لا يعلم أنه سيعود إلى بيته ليجد زوجته تبشره بآمال تعاود من جديد .... لا تنتهي الحكايات , هي مستمرة بإستمرار الحياة , كأننا نعيش حكاية كبيرة نحن ننسجها ولا ندري , نعيشها ولا نعي ما تخبئه بين ثنايها , كأن تلك الحكايات نتوارثها كجينات داخل خلاينا من جيل إلى جيل إلى يوم الدين .
وضع القلم وآخذ يرسم في خياله تلك البطلة كأنها مركزاً لمجرة جديدة ولكنها على الورق , تدور في فلكها الأحداث والشموس والكواكب والأقمار والشخوص في دوران لامتناهي , فبعد أن كتب مقدمة بسيطة عن البوح والحكايات , آخذ في تشكيلها ونحتها كأنها تمثال لأفروديت أخرى , آخذت تتعاظم وتتعاظم حتى ......... طرق شديد على الباب , الساعة الأن تقارب السادسة صباحاً , من ياترى يطرق الباب في ذلك الوقت , قرر ألا يجيب , ولكن الطرق تزايد , قام في عصبية ليفتح الباب , ليجد صديقاً , يدخله مستفهماً عن سبب زيارته له في هذا الوقت المبكر ... كانت علامات الذعر والإنهاك ظاهرة على وجه صديقه , حاول أن يستفهم , وصديقه يشير له بيده أن ينتظر قليلاً حتى يسترد أنفاسه .........
وضع القلم مرة أخرى , ليست بداية موفقة , أحياناً تهرب منه الأحداث المتلاحقة كما لو كانت فرسه جامحة تطيح بفارسها ولجامه, إما ضعفاً من الفارس أو لجموح الفرسه , نعم لقد نحت تلك الشخصية الخرافية لإمرآة تدور في فلكها الأحداث والشخوص وتوقف عند ذلك الجرف لا يعرف أين يذهب ولا يعرف له سبيل , ينظر إلى الساعة التي قاربت منتصف الليل , يقرر النزول متجاهلاً كل مخاطر تلك الساعة , يرتدي معطفه القديم ويلف وشاحه المغبر , لا بأس من تمشية في شوارع وسط البلد الخالية الآن من المارة , عله يتصيد أفكاراً لحكايته الجديدة , كان يسمع من بعيد ضجة تحملها الرياح مصدرها ميدان واسع ورحيب يعج بالآلاف , لم يلتفت وآكمل طريقه , لم يشعر برغبة في التوجه الى هناك الى حيث اصدقاءه جميعاً , يتذكر تلك الليلة التي قرر فيها أن يبيت هناك , وطاردته الأسئلة كما لو كانت وحوشاً تنهش فيه , كانت النظرات تلتهمه التهاماً وتلقي به في قبو مظلم كالشارع الذي يسير فيه الآن , قطع تفكيره نحيب مكتوم يأتي من آخرالشارع , لم يتبين من أين , ولكنه تخيل أن شخص ما يجلس على الرصيف هناك في نهاية الشارع , لم يتبين ماهيته بسبب الظلام وربما بعد المسافة , آخذ يقترب في هدوء وهو يوقن أن مصدر الصوت ذلك الشخص , وما أن قطع نصف المسافة حتى وجد هذا الشخص, الذي تبين انه آمرأه تنهض بسرعة وتبتعد مسرعة مُخلفة وراءها شئ ما , كأنه طفل رضيع ..... أقترب أكثر وهو يسرع عله يحمل الطفل ويعطيه لأمه , حمل بين يديه ما كان يظن أنه طفلاً ... ولكنه تبين أنه ليس طفلاً ...أنه .. أنه معطفٌ مكوّم .
واضعاً المعطف الذي ظنه طفلاً تحت إبطه وصاعداً السلم إلى غرفته , وما ان دخل إلى غرفته حتى فرَدَ المعطف, وكأنها تجسدت أمامه تلك الخرافية , كأنه يراها الأن وهي تتبختر بمعطف أبرز مفاتنها , بطلته التي نحتها بكلتا  يديه على الورق , كأن المعطف قد صُنع لها خصيصاً هي وحدها فقط , وضع المعطف بحذر على أريكته كأنه يحمل رضيعه الأول ويضعه في سريره الصغير . ووقف هنيهه يتابعه ويتأمله وكأنه فتن به , أبتعد عنه ببطأ إلى الوراء ولم يرفع ناظريه عنه حتى أقترب من سريره , فجلس قليلاً ثم مال بظهره الى الوراء شارداً ومستلقياً على السرير حتى ذهب بعيداً .. بعيداً حيث عالمه .. عالم الحكايات .
لي شئٌ يخصني عندك " هكذا فتح عينيه في وقت مبكر لم يعتاد ان يستيقظ فيه , انها العاشرة صباحاً وقد ذعر على طرق شديد ,ليفتح الباب فيجد حارس العمارة وبجوارة إمرآة فقط ...... هكذا هي امرآة , لا توصف بكلمة أخرى غير أنها امرآة , امرآة بكل ما تعنيه الكلمة .... دعاها للدخول وشكر الحارس , " أعتذر المكان لا يليق كما ترين" .... " لا يهم , لا يهم ولكن لي شئٌ يخصني عندك "
" ها ... ماذا تقصدين " ....... " هذا هو ... النائم على أريكتك" 
" هذا المعطف ... هو لكي "
" نعم هو لي "  وبدأت المرآة في رفع المعطف ولكنه سارع و اختطفه من بين يديها 
" ماذا هناك ... أليس من العيب أن تأخذ شيئاً ليس لك , أنك غريب الأطوار حقاً .. ماذا تفعل ياترى بمعطف نسائي كهذا"
.....
" أتعطيه لحبيبتك ؟ "
" ليس لي أحباب "
" إذن لماذا انت متمسك به هكذا ؟ "
" وكيف أعلم انه لكي ؟"
"هناك حيث الميدان ...ميدان واسع ورحيب يعج بالآلاف, هناك حيث اصدقاءك جميعاً , هناك حيث الشارع المظلم الذي كنت أجلس في نهايته على الرصيف "
ولماذا كنتي تبكين ؟
لا يخصك
" إذن لماذا تركتيه ؟ "
" جل من لا يسهو "
في أثناء ذلك الشد والجذب , كان المعطف يُسحب من بين يديه , ليستفيق فجأه وهي ترتديه , ليرى فيها بطلته التي تحولت فعلاً إلى حقيقة من الورق إلى كائن من لحم ودم , نعم إنها هي مجرة تدور في فلكها الشموس والكواكب والأقمار .
توالت اللقاءات هنا وهناك , كأنه أقتيد في طريق لا يعلم له آخر , طريق يُسمى مجازاً بالحب , أحب بطلته الجديدة , عرف النهار وعرف الميدان وعرف الحرية ,بالتأكيد لاحظ أصدقائه ومعارفه تغيراً ملحوظاً وغير متوقع أبداً, فلأول مرة يخبر أصدقائه أنه يعمل في عيادة لطبيب ليس مغموراً هناك عند أسوار القاهرة القديمة , كان يستيقظ مبكراً ليهجر الليل وكائناته الكئيبة , ليبدأ حكاية جديدة يصنعاها سوياً كأنها عجينة يشكلنها كما يحبان بالزعتر كانت أم بالنعناع , فنجان قهوة صباحية يقلبانه سوياً فتغمس أصبعها ليتذوق الحلاوة ويحدد .. مقطوعة موسيقية يؤلفان نوتة لها سوياً ويرقصان رقصتهما على آلحانها ، هما فقط . نسي المعطف وتعلق بصاحبته التي لايعلم من أين هبطت عليه , لم يستفهم ولم يسئل كثيراً , كأنها هدية من السماء لا يجوز السؤال لماذا ولا كيف بل عليه أن يتقبلها فقط .
وضع القلم أخيراً بعد أن أدرك الأن أنه تمرس في ترويض فرسته الجامحة , تمكن من الأحداث تمكناً تاماً , وأصبح يوجه الدفه أينما يشاء , نظر إلى الساعة التي قاربت على الرابعة عصراً , لتعلن عن قرب مجيئ المرأة ذات المعطف , يفكر كيف غيرت تلك المرآة  حياته من النقيض الى النقيض بدون أن يدري , سلبته عقله وفؤاده معاً حتى بات لا يفرق بين الواقع والخيال , بين مالمسه بيديه وما يدور في خيالاته.
ينظر في الساعة مرة أخرى ليكتشف أنها قاربت على منتصف الليل,ويكتشف فجأة أن المعطف مازال جاثياً بثقله على أريكته لم يتزحزح , أين بطلته وأين ...... 
يبدو ... يبدو أنه تاه في وسط النص في دوامة ..كأنها أحدى المجرات , نعم تلك المجرة التي تدور في فلكها الشموس والأحداث والكواكب والأقمار و الشخوص وكل شئ , إنها تلك المرأة , إنها تلك المجرة , هل أصبح هو الآخر يدور في فلكها بدون أن يشعر , جذبته في مدارها حتى أصبح واحداً من تلك الأشياء ... مجرد شئ , لم يصدق أنه أسر بتلك السهولة , فجأة وبدون مقدمات بات أسيراً لكائن خلقه بيديه .. شكله ونحته كتمثال آخر لأفروديت ... حمل المعطف بين يديه ونزل إلى الميدان باحثاً عنها ... إمرأة ... إمرأة بكل ما تعنيه الكلمة , لم يُدرك أنها لم تخلق بعد لم تخلق إلا في خيالاته , كان مازال مأسوراً بها هائماً على وجهه باحثا عنها بين الوجوه , رفع المعطف عالياً في وسط الميدان وأخذ يصرخ " لمن هذا المعطف ؟ "  ظنوه مجنوناً !  كان الجموع في وادي وهو في وادي آخر, لم يجدها ولن يجدها برغم أن داخله آمل أن يصحو على طرقات سريعة وعنيفة على الباب لتوقظه من نوم ثقيل ليسارع لفتح الباب ويجدها تأتي لتسترد معطفها الذي نسيته في أحد المرات السابقة .
ترك القلم وأحتضن المعطف وقرر أن يخرج من دائرة النص التي صنعها بنفسه وأُسر داخلها ... ليفتح الباب ويسمع من بعيد ضجة تحملها الرياح مصدرها ميدان واسع ورحيب يعج بالآلاف... ويقرر أن يترك نفسه للرياح علها تحمله إلى صاحبة المعطف الذي يحمله.
 
 
 
                             بقلم الكاتب الرائع محمد H-uman

الجمعة، 20 مايو، 2011

أحلام هانم 7


كانت أحلام تتفقد انحاء الميدان كانت تشعر ان كل اولئك الناس هي مسئولة عنهم وعن حياتهم كانت تشعر باهمية دورها كانت تدور في ارجاء الميدان ترى ما يحتاجه الناس وتحاول ان تطمئنهم
كانت تسير على اطراف الميدان تحاول التاكد من الامن فمرت في الشوارع المحيطة  وبينما هي تنظر حولها رأته في جانب الطريق معطف ثمين  ايقظ احلامها القديمة تذكرت كيف كان يبهرها مشاهد الهوانم في المسلسلات كم تمنت ان تصبح احدى هؤلاء الهوانم ترتدي ملابس غالية تقتني سيارة فارهة وتلبس حليا ثمينة كم تمنت رؤية جنيف وباريس وتلك المدن التي لا تسمع عنها الا في حصص الجغرافيا اوالافلام 
ولكنها كانت متوسطة الحال فوالدها موظف بسيط يوفر للاسرة القوت اليومي لكنه ليس غنيا
كانت كل يوم تنظر للمرآة تبحث عن مواطن جمال في وجهها  وتمني نفسها ان هذا اليوم قد تشاهد جمالا صارخا في محياها لكنها للاسف لا ترى ذلك التقدم نعم انها مقبولة الجمال فكل النساء جميلات ولكنها جميلة ذلك الجمال الهادىء النمطي لذلك فالامل بالنسبة لها ان تصبح هانما يكاد يكون منعدما فحياتها منطقية نمطية نعم ستتزوج نعم سيكون لديها اسرة لكنها لن تصبح هانما فليس هناك رجل اعمال يتزوج من امراة عادية ولا توجد هناك نجمة مشهورة متوسطة الجمال
لذلك سخطت على تلك الطبقة لضياع املها في الشهرة الى ان وجدت ضالتها حين كانت تشاهد احدى نشرات الاخبار رأت ناشطا حقوقيا فتمنت ان تكون مثله لتحول سخطها على الطبقات الغنية الى محاولة لنصرة المظلوم على الظالم قد لا يكون هدفها في البداية نبيلا
ولكنها بعد فترة من ذلك العمل وذلك النشاط الحقوقي حين رأت اقسام الشرطة وما يحدث فيها حين شاهدت الفساد المستشري  بعينيها بدأ قلبها يشعر بالم الناس وصراخهم بدأت تشعر بانينهم وصراخهم بدأت تشعر ان هناك هدفا اسمى من ان تصبح مجرد  هانم
لذلك كانت من اول الداعين الى تلك المظاهرات 
والآن بعد كل تلك الاعوام الصعبة تراه في جانب الطريق ترى معطفا لا يرتديه الا الهوانم فاستيقظ الحلم القديم بداخلها وانفجر بركان الطموح الدافىء في ليلة باردة وجدت نفسها بدون تردد ترتدي المعطف
آآآآآآه ما أحلاه من شعور  وما اجمله من دفء يعم  جوانحها تلك اليلة الشتوية الباردة تحولت الي ليلة ربيعية
موسيقى الدانوب الازرق لشتراوس في اذنيها تكاد ترقص فرحا تلك الموسيقى التي كانت حكرا على الهوانم في المسلسلات كأنها ترى دار الاوبرا امامها وكأن الهوانم وحدهم من يعرفون قيمة الاوبرا  قلبها اخيرا شعر بالبهجة الحلم القديم يتراءى في الآفاق
سارت بخيلاء الهوانم بين الحشود كان تريد ان تصعد الى المنصة ليرى الجميع معطفها الثمين ويرى الجميع الهانم التي اصبحت عليها انظروا اليَ انا هانم انظروا لمعطفي الثمين ابتسامتها تشرق وجهها وفرحتها تنير جبهتها كم هو جميل حين يتحقق احد الاحلام الصبا
عيونها الضاحكة تكاد تسخر من احوال اليائسين حولها فهي تعيش حياة الهوانم المتغطرسة
بزهو وتعالٍ تقدمت نحو المنصة دون ان تشعر فعقلها وقلبها تعلقا بحلم  ملك كل احاسيسها ولكنها استيقظت على صوت الهواء يمر سريعا بجوار اذنيها محدثا جلبة مخيفة ثم صوت تأوه وارتطام بالارض تلتفت  لترى احد الشباب يسقط صريعا خلفها بعد ان اصابت رصاصة جبهته
افاقت من حلمها على دماء الشهيد
و بالرغم من انها ليلة شتوية و بالرغم من برودة الجو الا انها تتصبب عرقا تشعر بالاختناق
 
ماذا حدث؟ 
تقف مذهولة  لا تفهم ما يجري  فقط اختناق وشوك والم وعرق وشلل كم تود ان تجلس لكي تعيد فهم ما يحدث كم تريد مكانا هادئا ولكن ميدان التحرير يعج بالثوار
قادتها أقدامها دون شعور للخروج من الميدان  حتى وجدت شارعا خاليا من الناس  جلست تحدث نفسها عن الشهيد كيف مات وماذا كانت تفعل  ألم تكن تشعر بالمسئولية عن كل هؤلاء؟
ثم ماذا كان الوضع ان اخترقت تلك الرصاصة راسها هي؟ كانت ستحمل القابا عدة وشهرة كبيرة وكم كانت تحب الالقاب كانوا سيقولون الشهيدة البطلة الثائرة الناشطة محررة مصر أحلام  أليس هذا ما تحبينه وانتي امام نفسك مجرد فاشلة أعماها الحلم التافه عن الواقع المجيد اعماها السراب عن النهر الذي يجري تحت قدميها
دموع ونحيب واختناق وعرق يتصبب
العرق والدموع طعمهما مالح في ملوحة بحر لجي مظلم لسانها لا يتحمل الطعم وقلبها يقطر أسى على روح  رحلت عن الحياة بسببها
الاختناق يزداد والصدر ينقبض لا تستطيع ان تتنفس أخيرا انتبهت لما يجثم على صدرها
انه ذلك المعطف اللعين خلعته وألقته على جانب الطريق
ثم شرعت في العودة الى التحرير عازمة ألا تساوم على دم الشهيد حتى ولو بمعطف ثمين
عازمة على تحقيق حلمها الجديد وهو ان تسقط جاثية على ركبتيها تحت اقدام ام الشهيد طالبة منها ان تتقبلها ابنة لها حينها فقط ستشعر انها هانم.
 
 
 
بقلم الكاتب المميز مصطفى سيف

الثلاثاء، 17 مايو، 2011

ألم أمل و أمل ألم 6

 استيقظت امل على صوت اذان الفجر لقد تعودت على الاستيقاظ فجرا ليس لاداء الصلاة  التى طالما تمنت ان تؤديها و لكنها لم تتمكن من تعلمها او حتى طلب منها اى فرد اداء الصلاة قامت من على فراشها المتهالك بجوار امها و اخوتها و امسكت احدى صفائح السمن الكبيرة الفارغة و ذهبت الى الصنبور الرئيسى الموجود فى اخر الشارع غسلتها جيدا و ملئتها بالماء حملتها فوق راسها و رجعت الى منزلها الذى هو عبارة عن احدى الغرف الصغيرة من شقة بها حوالى عشر غرف بمنزل قديم متهالك كان عبارة عن اسطبل للخيول بحمام قديم مشترك بباب خشبى متهالك ملىء بالثقوب لا تستطيع الاستحمام بقليل من الحرية الا فى هذا الموعد وضعت الصفيحة على موقد غازى صغير و مع غليان الماء بدات ذكرياتها فى الغليان نظرت فى المرايا  المكسورة على الحائط المتهالك دون ان تتبين ملامح وجهها هى لم تتعدى الخامسة عشر لا تتذكر انها عاشت طفولة فهى  منذ كان عمرها ثلاث اعوام  و ربما قبل ذلك و هى بصحبة امها  فى الشارع التى تبيع المناديل مجرد اكسسوار تستخدمه امها لتجلب مزيدا من العطف و عندما بلغت سن السادسة  استقلت عن امها و بدات فى بيع المناديل بنفسها و فى المساء تمسك بعض الورود و الفل تبيعه للعاشقين على كورنيش النيل تأكل من استدرار عطف الناس بشرائهم المناديل و تتحايل على العشاق و تدعو لهم  و تتملق  المحب لاهداء حبيته عقد فل او وردة اما ايام الرخاء بالنسبة لها فهى يوم مباريات الكرة لمنتخب مصر لانها تبيع اعلام مصر ترفعها و تلوح بها بسعادة فهى مصدر رزقها و اكلها الذى تنتمى اليه و تسعى و تكد من اجله
اما اباها فلا تعلم عنه شىء يعمل ماسح احذية لا يزورهم الا على فترات متقطعة اذا كان فى حاجة لبعض الاموال لزوجته الثانية حملت صفيحة الماء الى الحمام و القت الماء فوق جسمها كانها تتطهر من ذكريات متسخة لا دخل لها بها نظرت الى عباءتها السوداء المنشورة على احدى الحبال كانها تنظر الى ماضيها القتها على جسمها و خرجت لتسعى من اجل رزقها 

مشت امل الى التحرير بخطوات سريعة تسبق خيوط الشمس التى تشرق مع الفجر فجاة وجدت  معطفا ملقى على الارض امسكت به و تلمسته نعم هى تعرفه طالما شاهدته و لكن من خلف زجاج سيارة شاهدته مرة و هو يستنكر وجودها و يستنكر ان تاكل و تشرب و شاهدته مرة اخرى و هو يعطف عليها و يمد لها يد المساعدة لكن ايضا من خلف هذا الزجاج و فى الحالتين شاهدته كسرعة البرق مشاهد خاطفة لكن لكثرة هذه المشاهد تجمعت تحولت الى فيلم سينمائى بائس يحكى اغلب مشاهد حياتها طبعا هى لم تحلم بمثل هذا المعطف ابدا او تحلم ان ترتديه لكن احلامها كانت ابسط من ذلك بكثير جدا ربما حلمت بسرير فى غرفة منفصلة بحمام منفصل ربما حلمت بسقف للغرفة يقيهم من المطر ربما زاد حلمها و حلمت بوردة من يد عاشق من الذين تبيع لهم الورود طوال حياتها عاشت تمسك الورود و قد تزبل فى يدها من طوال مدة مسكها لها و ترجع ببعض الورود الزابلة الى حجرتها تلقيها على الارض او فى القمامة و لكنها ابدا لم تمسك مثل هذه الوردة تمنت ان تحتضنها و تضعها فى صندوقها الورقى الذى تحفظ به بعض الاشياء التى تتخيل انها هامة كزجاجة عطر تركيب و تليفون محمول متهالك و فرشاة شعر و اصبع من احمر شفايف متواضع و خاتم ذهبى صغير اشترته من اموال جمعية اشتركت فيها مع اصدقائها

فرضت الشمس خيوطها و ازاح النهار الليل امسكت امل بالمعطف و لبسته فوق العباءة و بدات فى بيع المناديل و لكنها وجدت عيونا لم تراها فى حياتها من قبل عيونا تسخر منها و من منظرها و هى ترتدى المعطف الثمين فوق العباءة اشتدت الشمس فوق راسها و لم تبع حتى علبة واحدة من المناديل الكل يسخر منها و يضحك عليها كلما شاهدها و هى ترتدى المعطف على العباءة اشتد عليها الجوع  و اسدل الليل ستائره عليها نزلت دموعها مع ستائره من شدة الجوع احست بثقل المعطف على كتفيها كأن الجميع يستكثر عليها هدية السماء احست انها تغرق بداخله لا تستطيع التنفس تكاد ترتمى على الارض من شدة الجوع القت المعطف على الارض و ذهبت بخطوات متعبة الى المشتل و عادت الى التحرير امسكت بالفل و الورد تبيعه للعاشقين و تلاشى املها فى الحلم حتى بوردة العاشق.

السبت، 14 مايو، 2011

العسكري أصبح وزيراً 5

مشى صابر فوق كوبرى قصر النيل لقد كان يرتعد من البرد فجاة وجد حقيبة بها معطف حريمى فرك عينيه هل كان يحلم اذا هى حقيقة كيف يجد معطف و هو يرتعش من البرد كأن السماء احست به و انزلته  هل يرتديه و كيف يرتديه و هو معطف حريمى لو مشى به  لتعرض لسخرية و ضحك من يراه تغلب البرد القارص على تفكيره وارتداه دون ان يشعر واتجه بجسمه الى ميدان التحرير ينظر الى الموجودين داخله بكل حسرة يود ان يتواجد بجانبهم يود ان يحتضنهم يريد ان يصرخ باعلى صوته فى وسطهم يريد ان يقول لهم انه مصرى و يقف امام الظلم الذى هو اول ضحاياه و لكنه لا يستطيع الدخول اليهم فهو يحمل بطاقة هوية بانه ينتمى للشرطة لكنه بالفعل لم ينتمى الى شىء طوال حياته هو نشأ فى اسرة فقيرة تقيم على حدود احدى القرى الصغيرة با الصعيد والده يعمل فى صناعة اقفاص الجريد صناعة يدوية فنية مرهقة  ذات عائد مادى محدود لم يدخل الى المدرسة قط فهو فى اسرة كبيرة العدد تحت خط الفقر فهو لا يتناول اللحم الا لو تذكرهم احد من ابناء القرية  فى عيد الاضحى و فى الغالب لا يتذكرونهم فهم على حدود القرية يقيمون على ارض بجوار الترعة الصغيرة التى تخترق القرية تعود على الشعور بالضألة يجلس على اطراف البلدة يمشى امامه الفتيان و الفتيات دون ان يشعروا به لم يلفت نظر احد قط ليلقى عليه مجرد السلام تعود على عدم الاهتمام وتعايش معه صارت الوحدة خليله فهو لا يعرف غيرها و عندما وصل الى سن التجنيد فرح فرحا عميقا اخيرا سيرى وجوها غير الوجوه و سيعامل كبشر و سيرتدى الزى العسكرى بدلا من الجلباب الرث فرح عندما علم انه سيذهب الى الشرطة فالشرطة ارتبطت فى ذهنه بالسلطة ركب السيارة النقل مع زملائه الى معسكر الامن المركزى بالطريق الصحراوى بزهو لكنه لم يكن يتصور انه سيصبح مجرد كائن حى  مثل الكلب البلدى الذى يستخدم للحراسة تنقله من مكان الى اخر و قد تقيده مجرد شكل قطعة شطرنج من العسكر تنقلها كما شئت و تضحى بها متى شئت دون ان تحزن فهو ليس بطابية او فيل او حتى حصان ليصبح له و لو قيمة يسيرة هو مجرد دمية تحمل كل صباح بسيارة نقل اشبه بسيارات نقل الخيول بل سيارات الخيول افضل منها لا يعرف الى اين يذهب يجلس بداخل السيارة تحت الشمس الحارقة يقف امام مجموعة من الشباب يحملون لافتات هو عاجز عن فهمها قد تصدر الاوامر له بضربهم لكنه يعجز عن رفض الامر او حتى فهم سبب ضربهم نشأت عشرة بينه و بين البعض حفظ وجوههم لكنهم عاجزون عن حفظ وجهه هو بالنسبة لهم اشبه بالتمثال تعودوا على شكله بملابسه العسكرية والخوذة فوق راسه لكنه يريد ان يصرخ بانه بشر يريد ان يعامل كانه انسان المرة الوحيدة التى احس فيها بادميته يوم المظاهرة الكبرى يوم هوجمت سيارة الشرطة  و احترقت وجد بعض الشباب يطلبون منه  خلع ملابسه لاول مرة يشعر بادميته وان هناك من يخاف عليه يساعدونه حتى لا يتعرف على هويته احد احس بسعادة غريبة رغم الخوف لاول مرة يشعر بادميته تخلص من كل قيود الرق يوم خلصوه من  ملابسه التى طالما حلم بها  

بدء الجوع يتسرب الى داخله و يتمنى لو دخل الى الميدان ليتقاسم معهم اللقيمات و يهتف من داخل اعماقه انا انسان انا حر من حقى ان يشعر بى الجميع من حقى ان اتنفس ان اعشق من حقى ان احلم فانا مصرى  طوال حياتى لم احلم لان الحلم رفاهية لمن مثلى الحلم هو سياط تجلد ظهرى عند صحوتى على كابوس الواقع الغارق به كأنه بحيرة من المياه العفنة الراكدة من حقى ان افهم ان اقرا ان البس ان اكل 
تساقطت دموعه كحبات الملح و تنأثرت على  المعطف لاول مرة يبكى تذكر انه رغم ما مر به فى حياته القصيرة لم يبكى لم يكن من حقه حتى البكاء على حاله فمن فى مثل حاله ليس له سوى الصبر و الجلد فالبكاء رفاهية اخرى تضاف الى رفاهية الحلم  نظر الى المعطف خلعه من على جسمه لكنه لم يشعر بالبرد بل شعر بالدفء يجرى فى اوصاله  تركه بمكانه  اخرج بطاقة الشرطة والقاها بالنيل و جرى الى ميدان التحرير لاول مرة يشعر انه بشر مثله مثل الاخرين حر يشعر بمصريته يصرخ يتقدم الصفوف لقد ترقى و اصبح العسكرى وزيرا .


                                                 بقلم ابراهيم رزق

الجمعة، 13 مايو، 2011

معطف من القيود 4 (الطريق للتحرير)




بعد عناء يوم شاق استقل التاكسي وجلس على الكرسي الخلفي كان يريد ان يغمض عينيه وينسى شقائه وعذابه مع الحياة الا ان يده لمست شيئا غريبا اثاره فنظر اليه فوجد بجواره المعطف الثمين راودته نفسه في ان يأخذه فان مثل هذا المعطف من الممكن ان يحقق له العديد من الاحلام فقد يبيعه ومن ثمنه يمكن ان ينشىء مشروعا يدر عليه دخلا كبيرا كانت احلامه كبيرة  وتلك الاحلام ايقظت شيطانه فأخذ المعطف حين نزل من التاكسي ولم يلحظ السائق شيئا
حاملا المعطف على يده في تلك الشوارع الضيقة في تلك المنطقة الشعبية في طريق عودته لمنزله ولكنه يفاجىء بعدد كبير من البلطجية يظهر له يشهرون اسلحتهم في وجهه فقال كبيرهم : ما ذلك الذي تحمله
اجاب : معطف املكه سأعطيه هدية لزوجتي لكن ان اردتم ان تأخذوه فهو لكم
البلطجي بعد تفكير : لن نأخذه ولكن لا بأس من بعض المرح ارتدي المعطف
هو : انه معطف نسائي كيف ارتديه
البلطجي بصرامة : ارتديه او تموت
ارتدى المعطف بصمت وخوف لحظات مقيتة يشعر بها في هذه الاثناء يشعر انه بلا حياة  يشعر انه يختنق الم وشوك ملأ جسده وهو يرتديه وضحكات البلطجية الساخرة تملا المكان  حتى انهم طلبوا منه ان يتمايل ويقلد النساء كي يزداد المرح
وهو يفعل ما يقولون بصمت ولكنه صمت كالنحيب  والبلطجية اخرجوا هواتفهم النقالة وقاموا بتصويره وضحكاتهم لا تنقطع
وحين انتشوا وتعبوا من كثرة الضحك تركوه يرحل بمعطفه فوصل لبيته وجد زوجته تنتظره وحين رأت المعطف لم تتمالك نفسها ارتمت ممسكة به شاكرة له هديته ولكنه زجرها وامرها ان تبتعد عن المعطف بغضب فنظرت الزوجة نظرات شك لزوجها قائلة : اذن من تلك المرأة التي اشتريت لها هذا المعطف؟
لم يتمالك نفسه في تلك اللحظات فصرخ في وجهها وتبادل معها الشجار فما كان منها الا ان رحلت وغادرت المنزل
نظر الى نفسه بعد ان اصبح وحيدا  فبدأ التفكير فيما حدث الساعة الماضية انها ساعة واحدة فقط  فقد فيها رجولته وهيبته وسمعته وشجاعته وفوق كل ذلك فقد فيها بيته وزوجته
لما كل هذا وما السبب؟

انه ذنب واحد فقط فعله
 استحل لنفسه ما ليس له به حق واخذ معطفا ليس ملكه هل من الممكن ان ذنب واحد فقط يحيل حياته لجحيم؟
فما بال من يرتشي ويسرق ويقتل وينهب كل يوم
هنا قام من جلسته وتوضأ وصلى وظل يستغفر الله عن ذنبه طوال الليل وظل يدعو لصاحبة المعطف كي تسامحه على سرقته له
 عاد اليه هدوءه النفسي وشجاعته فنزل الى المقهى  وحين جلس شعر بأن الجميع ينظر اليه ويضحكون
انه اصبح مثار سخرية وكلهم يتناقلون صوره بالبلوتوث ويبتسمون حينها لم يهتم فسلاح التوبة اقوى من اي سخرية وسلاح الايمان اقوى من كل استهزاء  لذلك لم يهتم بما يفعلون الا انه وقف  وخاطب الجميع بحسم : علام تضحكون؟ الستم مثلي؟. الستم ترتدون معطف الذل والضعف والجبن الستم ترتدون معطف الخضوع والخنوع والقهر؟لكل منا معطف يرتديه
 الستم تتركونهم يسرقونكم وينهبونكم ويسطون على بيوتكم وانتم تقفون كالعجزة لا تستطيعون ان تحموا دياركم  و اهلكم
كلماته اثارت في نفوسهم جروحا عميقة كانوا يتمنون ان تندمل ولكنها فتحت اغرورقت عيونهم بالدموع وهم يستمعون وهو يكمل : لماذا تصمتون لماذا تدعونهم انتم الاكثر والاقوى وانهم مجرد عدد قليل لو انكم تحملون بين ضلوعكم قلوبا شجاعة لما فعلوا بكم ذلك


هب احد عيون البلطجية كان على المقهى يبعث البلوتوث للناس للتهديد من ملاقاة نفس المصير من ناحية والهائهم بالسخرية من ناحية اخرى هب ذلك البلطجي ليضربه كي يسكته ولكن في تلك اللحظة قاموا جميعا لحمايته وضربوا البلطجي 
كسروا حاجز الخوف من البلطجي وشعروا بقوتهم  واتحادهم فذهبوا الى مكان البلطجية وضربوهم وطردوهم من منطقتهم ونظفوا المنطقة منهم
بعد ليلة دامية عاد الى منزله وجد زوجته قد عادت وتنتظره فالقت نفسها بين احضانه قائلة: آسفة ما كان يجب ان اتركك وانت تعاني من كل ذلك فلقد عرفت كل ما حدث ولا استطيع ان اسامح نفسي
هو : لا عليكي فأنني مثلك اعتذر عن عصبيتي الشديدة
هي: ماذا ستفعل بالمعطف؟
نظر الى المعطف الملقى على السرير وفكر هو لا يعرف صاحبته كما لا يعرف رقم التاكسي فماذا يفعل فكر ان يسلمه للشرطة ولكنه كان يعرف ان قام بتسليمه للشرطة سينتهي المعطف على جسد احدى زوجات الضباط فكيف يكافىء ضابطا   تركه عرضة للبلطجية
بعد تفكير توصل للحل
الوقت كان قارب على الفجر فأخذ المعطف ونزل سريعا استقل تاكسيا حتى وصل للمكان الذي يقصده وهو كوبري قصر النيل اتجه نحو احد الاسود الرابضة على مدخل الكوبري وضع المعطف تحت اقدام اسد منهم وقال مخاطبا الاسد : لا تعطي هذا المعطف الا لمن يستحقه
ثم اكمل طريقه في اتجاه ميدان التحرير
بقلم / مصطفى سيف

الثلاثاء، 10 مايو، 2011

معطف من القيود 3

امسكت مدام لولا بالمعطف و رجعت بالذاكرة يوم دخلت الى بيت الازياء الخاص بمس باوليتا الايطالية و كيف قابلتها بكل مودة و هى طفلة لم تتجاوز الرابعة عشر تذكرت كيف مدت يدها اليها امسكت يديها بحميمية و كأن رائحة العطر الفرنسى الخاص بمدام باوليتا مازالت تشمه على يديها رغم مرور كل هذه السنوات  تذكرت ابتسامتها و كيف رتبت على كتفها و سالتها عن اسمها و عندما قالت لها اسمى ليلى قالت لها اسمك جميل و لكنى ساناديكى بلولا تذكرت عروض الازياء التى كانت تقيمها مس باوليتا و نجوم و مشاهير المجتمع الذين كانوا يحضرونها تعلمت من مس باوليتا كل ما هو جديد بل بدات فى تصميم موديلات جديدة اعجبت مس باوليتا و اثنت عليها مما جعلها تفكر فى الانفصال عن مس باوليتا و اقامة بيت ازياء خاص بها و لكن من اين لها بالاموال اللازمة فكرت ان تبدء من الصفر استاجرت شقة فى بولاق ابو العلا و بدات فى استقبال الزبائن من سيدات المنطقة سرعان ما اشتهرت فى المنطقة و اصبحت العروس التى لم ترتدى فستان من تصميم مدام لولا كانها لم تتزوج بمناسبة الزواج تذكرت كيف يطلقون عليها مدام لولا مع انها لم تتزوج كما  لا تعرف لماذا لم تتزوج و لماذا لم تصحح لهم انها مازالت انسة كل ما تعرفه ان الايام صارت بها سريعة و نسيت حلمها فى بيت الازياء ارتبطت بالحى و ارتبطوا بها لكن ما ذكرها بحلمها القديم هو ذلك المعطف الذى يحمل اسم بيت الازياء الشهير
احتضنت المعطف و قررت تنظيفه بسرعة امسكت به و نزلت مسرعة و فجاة تذكرت ان الحى الذى تقيم به لا يوجد به محل تنظيف يستطيع كى و تنظيف المعطف فقررت الذهاب الى الزمالك الى المحل الذى كانت تتعامل معه مس باوليتا اوقفت تاكسى و طلبت من السائق الذهاب الى الزمالك و فى الطريق بدات تحلم بعرض الازياء الخاص بها و من  المشاهير سيحضر و من سيقدمه بل ترائى لها الموديلات التى ستقدمها و فستان الزفاف الذى ستختتم به العرض نزلت من التاكسى بزهو كانها هى التى ترتدى فستان الزفاف فجاة و قفت امام المحل الخاص بالتنظيف لم تجده تم بيعه و تحول الى مطعم للوجبات السريعة هنا فقط فاقت من الحلم على مفاجاة مدوية لقد نسيت المعطف فى التاكسى شردت لبضع دقائق ثم اوقفت سيارة ميكروباص ركبتها و اخرجت ورقة معدنية فئة خمسون قرشا اعطتها للسائق ثم نزلت فى بولاق و صعدت الى شقتها فوجدت فاطمة العروس تبتسم لها و تقول لها انها فى انتظارها على احر من الجمر لتفصل لها فستان عرسها فابتسمت لها ورتبت على كتفها و قالت لها ستكونى اجمل عروس ترتدى اجمل فستان صممته.      



                                  بقلم إبراهيم رزق

 

السبت، 7 مايو، 2011

معطف من القيود 2

لم تتصور منى التي لم تُكمل أعوامها الستة عشر أن تمتلك يوماً معطفاً كهذا تكاد تفقد عقلها من روعته تشعر و كأنها في حلم جميل تود ألا ينتهي, فتظل واضعة إياه بالقرب منها لتملأ عيناها منه طول الوقت و تتلمسه بين الحين و الآخر لتتأكد أنه ليس بسراب فكيف للبيت المعدم ذا الغرفه الواحده القائم فوق تل كبير بين العشوائيات أن يضم هذه القطعه الفاخره من الثياب, ان لم تكن مرت بأمها هذا اليوم و هي تشوي الذره لصاحبة المعطف ما كانت لحصلت عليه أبداً و كأنه هبط عليها كهدية من السماء.

أخيراً تجرأت أن تجرب إرتداءه, وقفت أمام المرآه الكبيره الموجوده بمدخل العماره الفاخره المطله على النيل حيث تجلس أمها منذ أن فتحت عيناها على الدنيا لتشوي الذره و تبيعها للماره, ظلت تحملق في نفسها غير سعيده و غير راضيه, كانت هذيله ليست ملفوفة القوام كصاحبته القديمه فظهرت و كأنها طفله ترتدي ملابس أمها شعرت لحظتها كم هي صغيره قليله ضئيله لا يسعها حتى أن تنعم بإرتداء ملابس قيمه دون أن تبدو مهلهله و مضحكه, ظرفت دموعاً بائسه و لجأت لأمها علها تجد حلاً لهذا المأزق.


مرت أيام من البكاء المُر و الشجار مع أمها التي كانت مُصره على أن ترتديه على حاله مقنعة إياها بأن مقاسه الكبير هو من أعراض الفخامه و الحشمه و لكن هيهات أن تقتنع فقد إعتادت من أمها على أن تقنعها بأشياء غير منطقيه بالنسبة لها, مثل أن أكل اللحم يصيب بأمراض القلب و الملابس الثقيله تصيب بالبرد, مثل أن النيل يجلب الخير على من يراه, مثل أنها أجمل صبيه على الأرض, مثل أن أخواتها الاتي تزوجن لا يأتين لأنهن مشغولات, و أن أباها المسجون بتهمة السرقه بريء و معذور لأنهم كانوا صغار و جوعى, لم تعد حججها مقنعه, الى أن عادت يوماً من المدرسه فوجدتها ممسكة إياه بفرحه "أخذته اليوم لمدام لولا و قامت بتضيقه لك" كادت تطير من الفرحه وأمطرت أمها قُبلاً على وجهها و يدها و رأسها معاً.

وقفت مره أخرى به أمام المرآه كان منحوتاً على جسمها و كأنه صُمم خصيصاً لها و لكن البنطال الممسوح اللون و الحذاء المدرسي المنتحر اللذان ظهرا أسفله أفسدا اللوحه الفنيه الجميله فازدادت حنقاً و كأن المعطف أبى أن يمنحها السعاده التي تتمناها و كأن صاحبته لم تكن راضيه و هي تعطيه لها , لم ترتديه و قضت ليله باكية مره أخرى ماذا عساها أن تفعل, أن تطلب من أمها مال و هي تعلم أنها بالكاد توفر لهما قوتهما اليومي و مصاريف الدراسه التي أصرت أن تكملها دوناً عن أخواتها, في الصباح أعطتها أمها جنيهان لتشتري طعام الافطار "و بماذا ينفع الطعام هل سيجعلنا أجمل أو أكثر سعاده", هكذا تمتمت لنفسها, إشترت صابونه ذات رائحه حلوه و عادت بها لأمها التي بُهتت من تصرفها و ملأت البيت صراخ و ولوله بل و لطمت وجهها عدة مرات عندما أخبرتها منى أنها تريد بنطال و حذاء جديد بدلاً من ملابسها المهترئه.

لعنت أم منى المعطف ألف مره و ما أتى عليهم به من مطالب و قيود لم تكن في الحُسبان,  منى تغيرت أصبحت تهتم بنظافتها كثيراً تدعك بالحجر قدماها الجافتين و تدهنهما بكريم بشره كانت تدخره أمها لمناسبه سعيده, تستحم عندما تأتي المياه كل بضعة أيام بالصابونه الجديده, تهذب حاجبها  تعتني بشعرها, و تمتنع عن الكلام الى أن تنفذ أمها رغبتها, المشهد الذي رأته أمها في منتهى الأنانيه و هي التي لا تملك سوى جلبابان متسخان و لم تفكر في نفسها و لو لدقائق منذ أمد بعيد.

منى توقفت عن الحديث مع أمها ليس فقط لتضغط عليها حتى تحصل منها على المال و انما أيضاً لأنها كانت تعيش في أحلام يقظه عباره عن حدث واحد يتكرر هو وقع ارتداء المعطف على صديقاتها بالمدرسه, نظراتهم شهقاتهم غيرتهم التي ستكون واضحه جداً و أسئلتهم التي لن تنتهي, و هي تنظر لهم بشئ من الثقه و لا تجاوب تساؤلتهم الا بابتسامه, حتى ينتهي وقت المدرسه فتخرج لتجد الفتى الأسمر الذي ينتظرها كل يوم ليختلس اليها النظر و يتبعها حتى تصل منزلها واقفاً, فيدهشه منظرها بالمعطف و يأتي فوراً للاعتراف بحبه الجارف لها...

عادت منى متأخره من المدرسه بعد أن طافت ببعض الدكاكين بحثاً عن حذاء مناسب و بنطال جيد يليق بالمعطف,  حماسها شديد و اصرارها كبيرعلى أن تُعطي المعطف حقه من الأناقه, لكن الأسعار كانت صادمه فلملمت أذيال الخيبه و عادت و في نيتها بيع القرط الذهبي الذي تحتفظ به أمها لتهديه اياها عند زواجها و ما فائدته و هي بهذا المظهر الرث و لديها معطف لا تجرؤ على إرتداءه, وجدت جارتهم بالحجره بجوار أمها التي رقدت مريضه في السرير إنخلع قلبها خوفاً على أمها التي حاولت أن تطمأنها دون جدوى, "شوية برد" لم تُصدقها ,أخرجت أم منى ورقه بخمسين جنيه من فتحة الجلباب عند الصدر و أعطتها اياها قائلة بصوت متهدج و على وجهها إبتسامه حانيه "اشتري ما تريدي" .

خرجت متخبطة المشاعرما بين الذعر و السعاده مسترجعة الموديلات التي أعجبتها في السوق مُفاضلة بين أي قطعه أولى بالشراء الحذاء أم البنطال , لكن جارتهم لحقت بها بسرعه لتخبرها أن أمها ذهبت لتنظيف احدى الشقق التي كانت تلح عليها صاحبتها مراراً و هي رافضة الفكره و أنها سقطت هناك و كشفت عليها الطبيبه صاحبة الشقه و أخبرتها أنها ربما تكون مريضة بالكبد و عليها أن تقوم بتحاليل و كشوفات متعدده...

فتحت أم منى عيناها لتجد منى مُشرقه و مُرتاحه جوارها على السرير, طلبت منها منى بدلال أن تُغمض عيناها فأغمضت و فتحتهما مره أخرى على ابنتها مُمسكة بجلباب جديد لها بلون زاهي, إبتسمت رغماً عنها فإذا بمنى قد أحضرت ماكينة خياطه و قالت بفرحه "أشتريتها من مدام لولا و طلبت منها تُعلمني الخياطه...لا ذرة بعد اليوم" ردت الأم بدهشه "منين؟؟" أجابت منى ببساطه " بعت لها المعطف" ضربت أمها على صدرها, قالت منى بنفس البساطه " شدي حيلك كي نذهب للمستشفى لاجراء بعض التحاليل البسيطه" سألتها أمها بإستنكار "و ماذا عن المعطف؟؟ كنت تحبيه!!" ردت منى بإرتياح "تخلصت منه و من قيوده".

الخميس، 5 مايو، 2011

معطف من القيود 1

خرجت من المطعم الفاخر لتواجه نسمات الهواء البارده و ثخات متباعده من المطر و هي ملتفحه بمعطفها الأسود الثمين, حاولت مقاومة البرد بإحكام معطفعها على جسدها و رفع ياقته المثنيه لتُغطي عنقها و حواف وجهها بصوفه الانجليزي و فراءه الفرنسي, حتى وصلت للسياره الفارهه التي كانت في إنتظارها مع السائق فرمت نفسها على المقعد الخلفي و قد أنهكت من تلك الخطوات القليله ما بين المطعم الدافئ و السياره الدافئه.

مالت بوجهها في محاولة أن تسلي نفسها الملوله بمشاهدة الشوارع و الماره الذين لا يكترثوا ببرودة الجو و دموع السحاب المتزايده, لم تعد تلفت نظرها المباني الفارهه و الدكاكين التي تتسم بالطابع الأجنبي كسابق عهدها شئ داخلها تغير جعلها أكثر حرصاً على مراقبة ملامح الشوارع التي كانت لا تتوقف عندها من قبل كالباعه الجائلين أشكال الناس المختلفه و طريقتهم في السير صناديق البريد شكل الأرصفه, حتى التفاصيل الصغيره كبركة ماء متسعه أو أوراق شجر باليه جافه كحياتها.


تمر السياره بشارع مطل على كورنيش النيل, يدق قلبها بإضطراب كلما مرت بهذا الشارع ليس فقط لأنه يفضي إلى حيها القديم و لكن لأن رائحة خاصه جداً تتغلل إلى كل حواسها لتصل بسرعه إلى منطقه خامده داخلها فتعكر صفوها, كالموجات التي يحدثها الحجر عندما يُلقى بمياه راكده, رائحة حنين مختلطه بقليل من الشوق و كثير من الحزن متمثلين في كلمة واحده (حسن), تكاد تراه و هو يمشي بخطواته السريعه واضعاً يده في جيوب سترته الرماديه الأنيقه رغم أنه لم يكن يرتدي سواها في الشتاء القارص, و هي تلاحقه بخفه تليق بفتاه لم تتعدى العشرين, خطر لها أن تلتحم بالشارع مره أخرى عل نفسها المعتله تبرأ و تستعيد بعضاً من روحها السابقه.

أمرت السائق بالعوده وحيداً و نزلت للدنيا, وقفت أمام النيل مشدوهه و كأنها تراه لأول مره بلونه الأزرق الغني الذي يكتسبه عند بداية الغروب و على سطحه الذبذبات الواسعه التي تحدثها الزوارق المتعدده التي تتلألأ بإضاءتها المبهجه سارقة العيون و كأنها تطريز لامع في ثوب واسع من الحرير, لم تعرف كم من الوقت مضى و هي واقفه كالمجذوبه حتى باغتتها نسمات من السقيع اجتاحت عظامها و لم يقوى معطفها على صدها, تعجبت كيف لمعطف ثمين مثله ألا يعطي الدفئ المطلوب, لقد إشترته العام الماضي من باريس و هي تتسكع وحيده في الشنزيليزيه, بهرتها أناقته و لم يثنيها عن إقتناءه ثمنه الباهظ و لم تهتم برأي زوجها الذي أخبرها أن شتاء مصر لا يحتاج لمثل هذا المعطف, دائماً أرآه من العقل فقط و دائماً مستاء من أي تصرف أو رأي لها و يعاملها بتعالي واضح, فاتفقا ألا يجمعهما سوى الرسميات و السرير.

تحركت بين الناس في تؤده تمعن النظر للعشاق المتناثرين على الكورنيش تبحث بين عيونهم عن بريق آخاذ مثل الذي كان يعلو نظرات حسن و لكنها لم ترى هذا البريق آخر مره جمعهما الكورنيش, نظرته وقتها كانت فارغه في لقاء لم يتعدى الدقائق (تزوجي فأنا لن أتزوجك) لم تعرف إن كان ضحى بها أم ضحى لأجلها و لا تعرف إن كانت تشتاق له أم لأيام الصبا عندما كانت روحها كطائر مغرد في الفضاء الواسع و أنوثتها عفيه و فرحتها فطريه, ما تعرفه و يبات أكيد أنها لم تعد هي بعد هذا اليوم.

تشعر و كأنها مكبله بقيود من حديد تمشي بخطوات بطيئه متعثره, لمحت شاب يخطف قبله من فتاته, لم يمس حسن شفتاها كان يحترم براءتها و لكنها لسبب تجهله الآن إشتهت هذه القبله و رأتها بريئه, على غير عادتها و هي التي تمقت مشاهد الغرام في الشوارع.
إستوقفتها رائحة ذره مشويه إنها تعرف صاحبة الصحن المتفحم الكبير الذي يتوهج فيه الفحم لإكساب الذره لونها الذهبي, إنها أم منى التي لطالما إشترت منها الذره و وقفت تتناولها بالجوار لتستمد الدفئ من صحنها المتوهج, أدهشها كثيراً أن المرأه تذكرتها و صافحتها بحفاوه كبيره, جلست جوارها على حجر كبير في انتظار الشواء فظهرت شابه صغيره مرتديه طبقات عديده من الملابس الصيفيه لتمتص البرد, ذكّرتها بنفسها قبل أن تملك ما تستطيع أن تشتري به معطف يقيها في الشتاء, عرفت أنها منى التي كانت تلهو بقشر الذره المتناثره قبل أعوام عديده.

سرحت قليلاً في ماضيها البائس في مظهره الغني في باطنه بمشاعر الحب و الرضا و العشق للحياه, و حاضرها المبهر في مظهره الخالي في باطنه من أي من أسباب السعاده, أخذت الذره و همت بأن ترحل و لكنها توقفت للحظه خلعت عنها المعطف الثقيل و أعطته لمنى قائلة من بين إبتسامتها (إنه لك).

إنطلقت في الشارع و كأنها وليدة اللحظه تستنشق لأول مره ملئ صدرها, قلبها ينبض نبضات جديده, تشعر و كأنها حطمت قيود كثيره كانت تكبلها و تمنع حركتها ها هي الآن حره و كأنها لم تذق الحريه من قبل و دافئه بل و تشع حراره بالرغم من ملابسها الخفيفه, الأمطار المتزائده شجعتها على الركض بمرح تخطى كل الحدود العُمريه و النفسيه و الاجتماعيه, إنها حقاً سعيده كعصفور بري خرج تواً من قفصه الذهبي , خطواتها تأخذها لحيها الفقير دون أن تشعر!



                                              بقلمي شيرين سامي