الجمعة، 27 مايو، 2011

معطف من التحرير 10

كانت تبحث عنه في كل مكان, القهوة البلدي التي تفترش آخر الحاره, المكتبه الصغيره التي تقع بالشارع الرئيسي, محل عصير القصب القريب, و كل شارع و حاره مرا بها سوياً و كل مكان جمعهما معاً علها تجده, بعد أن سألت عنه والدته التي لا تعرف عنه شيأً منذ أسابيع, هل عادت له بعد هذه الرحله الطويله المضنيه مع الحياه حتى لا تجده.


تجلس في المساء بين أسرتها الصغيره مرتدية احدى ثيابها القديمه محاولة أن تسترجع بعض من الحنان و الدفئ الذي إفتقدته في أعوامها الماضيه لا ينقصها الا أن تجده, ليس بدافع الحب تبحث عنه إنما بدافع الشغف جزء منها يشتاق لأن يراه و يسمعه , تتوق لأن تعرف أخباره و ما وصل له خلال سنوات زواجها و بعدها عن الحي, لكن ما أقساه القدر يأبى دائماً أن يلبي أمانينا عندما تكون في أوجّها فيزيد البعد و تطول الأيام و كأن الزمان و المكان قد تآمرا معه على إستعجال الإنسان.


حتى سمعت من صديقه أنه في ميدان التحرير منذ بدأ المظاهرات, يا إلهي و ما علاقته بالسياسه و المشاغبه أليس التحرير كما تسمع من التليفزيون المصري هو مرتع المخربين الهمج و الخائنين الذين باعوا أنفسهم لحساب منظمات معينه و الطامعين في السُلطه, ما علاقته هو بكل هذا ومع  أي فريق هو يا ترى, تقاذفت الأسئله في رأسها ليس لها من إجابات حتى قررت أن تبحث عنه هناك ليجاوبها بنفسه.


وقفت مشدوهه من الأعداد الغفيره التي لم تتخيل نفسها بينهم يوماً, هناك فتاه عشرينيه تفتش كل من تدخل الميدان هي و الكثير من الشباب و الفتايات وقفوا ينظموا الدخول ويتأكدوا من عدم وجود أي غرض قد يتسبب في أذى, إعتذرت لها الفتاه بشده و هي تفتشها و أخبرتها أنه من مصلحة المتظاهرين ألا يكون  بينهم أي مثير شغب, كانت مبهوره بالمكان الذي مرت به مئات المرات و لم تتخيل أبداً أن يكون بهذا المظهر الغريب الثائر.


هناك وقف الشباب , الرجال , الفتايات , الأمهات و الأطفال أيضاً يهتفون يضحكون يبكون و يتحدثوا بلسان واحد, حاولت أن تسأل عن (حسن) فردّ بعض الشباب الذين وقفوا لينظموا الوفود الآتيه للميدان " أتقصدين حسن المصري الذي وقف أمام السياره المدرعه بشجاعة الفرسان ليحمي المتظاهرين...إنه بطل بحق هو هنا منذ يوم 25 يناير يدافع و يناضل لكننا لا نعرف أين ممكن أن يكون الآن".

لمعت عيناها ببريق الحب, حب من نوع آخر حب مصريته و بسالته, طافت بالميدان لتجد البعض يتغنوا بحب مصر و بأحلامهم بالمستقبل و البعض يحاضر الناس و يشرح لهم أهمية الثوره و أهدافها في محاربة الفساد لآخر نفس, وجدت رجال دين يشجعوا الناس على الصمود و الصبر و الثوره على الظلم, رأت الكل يهتف و ينادي بإسقاط نظام ظالم فاسد جائر على الحقوق الانسانيه و السياسيه, سمعت بأن الخيام المنصوبه تحوي كل أطياف الثوار أطباء, محامين, مثقفين , موظفين, و رجال شرطه و جيش أيضاً في سريه تامه,  بدأت مراوح عقلها تدور لتطرد الهواء الساكن و تبدله بنسمات جديده من حرية من نوع خاص لم تعرفها من قبل بل و لم تهتم أن تعرفها.


سألت بعض المتظاهرين عن (حسن) فرّدوا عليها " أتقصدين حسن المصري الذي ألقى بنفسه على عساكر الأمن دون إكتراث بقوتهم و تسلحهم ليثبت لهم أنه لا يخافهم و أنه الأقوى بإيمانه...إنه معنا منذ أول يوم لكن لا نعرف أين هو الآن", و لكن من أين أتى حسن بكل هذه القوه و لماذا إختار طريق الثوره إنها لا تذكر أنه كان ينتمي لأي تيار سياسي أو أنه حتى كان يهتم بالسياسه و أحاديثها, إنها مُصره على أن تجده و تسمع منه.
أمهات يحملن صور أبناءهن الذين قُتلوا دون سبب سوى أنهم طالبوا بحق ضائع لأهل بلدهم, قتلوا لأنهم إختاروا عدم الصمت و الخروج عن الخوف, قتلوا و صدورهم عاريه جريئه في وجه قاتلهم, قتلوا لأنهم لم يريدوا أن تظل مصر على هامش العالم, قتلوا لأنهم إعترضوا على أن يظلوا منهوبين مسروقين و ربما لأنهم أرادوا أن يشعروا بآدميتهم و حقهم في حياة شريفه هادئه هكذا تقول الحكايات و الحقائق التي كانت غائبه عنها و هي تجلس أمام شاشة التليفزيون أو بين دكاكين الملابس و الديكور و العطور.


أين حسن الشاب المصري الأسمر الجسور الضعيف في مشاعره القوي في مواجهته, حسن ذا القلب الميت في دفاعه عن بلده و النابض في حبه لها " رأيت حسن المصري يواجه عساكر الأمن و يلقي قنابلهم بعيداً كي لا تصيبنا" " حسن المصري رأيته و هو يحمل الجرحى للمستشفيات الميدانيه" " وجدته في يوم الأربعاء الدامي و هو يتصدى للمعتدين بيديه خاليتين يسقطهم كما يسقط الحق الباطل" " هذا الشاب المصري يقف طوال الليل يحمي المتحف المصري أكثر من حمايته لمنزله أو حتى لحياته"  " نعم رأيت حسن وسط الميدان يهتف بأعلى صوت و نحن نردد"...


أنزل الليل ستائره دون أن تشعر, قامت لتصلي في دائرة كبيره من مئات الدوائر التي إصطفت بالميدان لتُصلي في مشهد مهيب تقف عنده الألسنه و الأقلام فاقدة التعبير, و أحاط المصلين الشباب القبطي بسواعد من حديد ليحموهم من أي إعتداء متوقع في مشهد يسجله التاريخ بكل إعتزاز و فخر, باتت ليلتها في أحضان الميدان تسمع الحكاوى و الأشعار الحلمنتيشيه و الفصحى و العاميه, تسمع الحوارات السياسيه و إسقاطتها الإجتماعيه, تضحك على النكات الساخره هنا و تدمع على حكايا الشهداء هناك, تشاهد العروض المسرحية و أغاني الجاز و تستمع لنغمات العود, و تنصت للخطب و العظات الدينيه, الكل في حالة من الحب و المؤازرة التسامح و لأول مره تعرف معنى (المواطنه).

أدركت أيضاً لماذا أتى حسن هنا, أتى بعد أن تخرج ليجد نفسه عاطلاً لسنوات ثم عاملاً بمقابل لا يتناسب مع نصف رجل, لم يستطع أن يحملها لبيته و لم يخدعها بمعسول الكلام فتركها لمن هو أقدر منه, عاش عمره يحلم و لايحقق الأحلام حتى بات لا يحلم, يعيش ليسخر و يتذمر حتى يموت, طعامه مسمم ماءه ملوث, خبزه ملطخ بالذل, كرامته مفقوده, أمه مريضه دون علاج و أخته عروسه دون زوج, و شهادته ورقه دون معنى, لهذا ثار حسن.

يا أهل الميدان أين حسن؟ " رأيته هناك يوزع البقسماط و كسرات من الخبز للجوعى" " حسن المصري يضمد الجرحى يهون عليهم و يحمل لهم الدواء" " ربما هو حسن الذي يعد أهالي الشهداء بأنه لن يضيع حقهم حتى لو كلفه الأمر حياته" " حسن المصري إنه يشبه أحد الشهداء, المبتسم ,الذي لم يتعرف عليه أحد" " أو هو هناك يقبض على لصوص و بلطجية يثيروا الرعب في قلوب الناس".

الشاشه الكبيره تنبأ بخطاب رئاسي, الملايين تترقب إنه خطاب التخلي إنه سقوط النظام, الألوف خروا ساجدين شكراً لله الزغاريد و الفرح في كل شبر من الأرض الميدان يتزلل من الفرحه العارمه...تبحث هي بين فرحتها عن حسن, تظل لا تجده, تقضي الليل مع الثوار تنظف المكان و تدهن الأرصفه و تقلم الأشجار كي يعود أجمل مما كان و تبدأ مصر عهد جديد مشرق.

شعرت أنها أصبحت جزء من هذا المكان روحها تغيرت و كأنها ولدت مره أخرى أو كأن شعلة أوقدت داخلها تنير لها طريقاً من التغيير, لا ينقصها سوى أن تجد حسن لتسأله و تسمعه و تحكي له , شيأّ مكوم قريب منها ظهر عندما بدأ الميدان يخلو, إقتربت أكثر يبدو أنه شئ مألوف, إنه معطفها الذي خلعته عنها منذ أيام و تخلصت منه و من قيوده,و قبل أن تفكر في كيفية عثورها عليه أدركت أنها لن ترى حسن ثانيةً.

الكل يتحرك ذاهباً لبيته و أهله و ناسه و هي وحيده داخلها ساكن و هادئ كالهدوء الذي ينعم به الأصم وسط الزحام, تحسست المعطف شعرت أنه محمل بالهموم البشريه و المشاعر الانسانيه ملمسه الناعم و طلته الفخمه تغيرت و لكنه ظل محافظاً على كونه قطعه ثمينه تزيد قيمتها مع الوقت, رأت بين ثناياه شعاع خافت و كأن الميدان قد ترك به نفس الأثر الذي تركه بها, أيقنت أنها حتى وان لم تستطع أن تغير ماضيها فعليها أن تغير المستقبل , إرتدته و ذهبت لحياتها القديمه سيكون معطفها درباً من الحريه بعيداً عن القيود.
 
 
 
 
                               بقلمي... شيرين سامي

هناك 3 تعليقات:

ابراهيم رزق يقول...

اختى الفاضلة

نقلتينى مرة اخرى الى ميدان التحرير و الى حدوتة الشاطر حسن
دام ابداعك يا صاحبة المعطف

تحياتى و تفديرى لفكرك الجميل

المنجي باكير يقول...

ابداع حرف و اتقان كلمة

شكري و تقديري

منجي باكير

http://zaman-jamil.blogspot.com/

أم هريرة (lolocat) يقول...

السلام عليكم

ذكرتنى قصتك بقصة فيلم (( حكايات الغريب)) اكيد تذكرينها

ما اجمل كلماتك ومعانى الحروف والاحساس

انها ايام رائعة وكلها حماس و عروبة واباء وتضحية
اتذكر هذا (( المصرى )) الذى وقف امام سيارة الشرطة ببراعة وشجاعة وكان حافزا لشباب كثيرين بان يواصلوا الصمود والكفاح والمواجهة
يا الله!!!

اليوم كنت اتحدث مع اسرتى عن هذه الايام وكيف مرت
وكان ابى واخوتى معتصمين مع الشباب فى التحرير

يارب احمى بلادى وألف بين المصريين واحميهم من مكر الماكرين

بوركت اختاه وبورك قلمك الهادف الراقى
شكرا لك على مجهودك الطيب

احييك
دمت بكل خير