الجمعة، 2 مارس، 2012

معطف الصوف (36)



- كم اشتقت إليك يا ابنتي!




- كم اشتقت إليك يا أبي!




- اشتقت إلى صوتك.. إلى وجهك..




- صوتك.. وجهك..




- ولكن لا!




- لكن لا..




- لن أطلب لقاءك إلا أن تكون هذه رغبتك الكاملة.




- لن أسعى للقائك إلا بعد أن أنهي صناعة المعطف الصوفي الجديد لك.




- ربما لو طرقت باب حجرتك لأسألك عن رغبتك لا أتركك بعدها أبدًا من فرط شوقي لك الآن.




- ربما لو خرجت كمثل عادتي قبلاً في المساء لأحادثك.. ما عدت إلى الخيوط والقماش من فرط احتياجي لك.




- ما الذي أبعدك عني؟




- يا لهذا المعطف الذي يبعدني عنك..




- هل هناك في حياتك من هو أهم مني؟




- لا يوجد في حياتي من هو أهم منك أبيلأصنع لأجله معطفًا للشتاء بكل مهاراتيالمتواضعة.




- لا أمانع أن تكون لك اهتمامات أخرى غيري.. بل وأهم أيضًا.. لكن لماذا لم تأتِ كعادتك وتحكِ لي؟




- أتحرق شوقًا أن أخبرك عن سبب انقطاعي عنك.. أموت فضولاً لأرى انطباعك على كل خطوة أفعلها لمعطفك.




- تنسحبين من حياتي فجأة وبغموض ولاتعلمين أنك أنت حياتي.




- أصبحت أمسياتي موحشة بين قماش وخيوط.. لكن عزائي أني أصنع لك بكل إمكاناتيثوبًا يدفئك.




- أتعلمين أني أرتجف من البرد؟




- يا ليتني أستطيع أن أصنع معطفًا يقيك الحزن أيضًا..




- عندي معاطف كثيرة قيِّمة لم أفكر يومًا أن ألبسها لأنها لا تدفئ.. فقط حضنك يمنحنيالدفء.




- أما أنا فلن أصنع لنفسي معطفًا.. فقط سأطلب منك أن تضمني عندما أبرد.. وعندما أحزن أيضًا.




- اشتقت إلى الأسئلة في عينيك.. والمرح في صوتك..




- الخيوط تتعقد وأحتاجك لتساعدني في حلها.. أحتاج لذوقك الجميل في تركيب الألوان.




- لكن لا..




- لكن لا..




- لا أريد أن أزعجك.




- لا أريد أن أخذلك.




- سأصارع رغبتي حتى أصرعها أو تصرعني.. ولتظلي يا ملاكي بحرية كاملة.




- سأقاوم ضعفي وقلة خبرتي.. وأبذل ما في وسعي لأنجز معطفك مهما كلفني من ألم غيابك.




- الثلج ينحصر والربيع يأتي وأنت بعيدة.




- مخاوفي كثيرة كثيرة.. تتسرب منيلتسكن ثنايا القماش.. أنسجها دون وعي معالأغاني السعيدة التي تحبها يا أبي في عقد الخيط.




- أين أنت لأمسك يدك الصغيرة؟ نجري في الحدائق فتطير قمصاننا الخفيفة كأنها أجنحة لنا.




- أريده معطفًا قويًّا ثقيلاً.. بالتأكيد الجو الآن بالخارج ممطر بارق راعد عاصف.




- لا قيمة لدفء الجو الآن.. أريد دفء حنان عينيك. لا أرى أزهار الربيع الرائعة.. أكاد أجن إن لم تعاودني ابتسامتك.




- الوحدة.. الوحشة.. ومزيد من الخوف.. إنها معاني افتقادك يا أبي.. المعطف لا ينتهي.. وليس جميلاً كما ينبغي..




- ها هو صاحب مصنع الملابس - أنا! - يفقد الثقة في كل أنواع القماش أن تمنحه دفئًالقلبه.




- ها هي ابنة صاحب مصنع الملابس - أنا! - تقضي فصلاً كاملاً في صناعة معطف واحد ليدفئ أباها فيخرج مليئًا بالأخطاء.




- لو تعلمين أن أثمن أثوابي صارت كفنًا في عيني لأنها لم تأخذ الحياة من احتضانك.. وأن ملابسي القديمة الرثة ثياب ملك بالنسبة لي لأنهااحتوت يومًا أميرتي.




- لو تعلم أني بذلت مجهودًا في هذا الثوب المهلهل يفوق مجهود كل عمال مصانعك لمدة عام لربما سخرت مني.




- تعالي يا حبيبتي وأعيدي إليَّ الحياة.. فقد صرت كمسوح الحزن.




- آه لو تأتي لتصلح عملي بخبرتك.. لصار المعطف كثوب عرس رائع.




- هل لم أعد مرساتك ومخزن أسرارك؟




- هل لا أستحق بعد محاولتي الفاشلة أن أدعى ابنتك؟




- أحبك حتى وإن لم تعودي تحبينني.




- أحبك حتى وإن لم أعرف أن أعبر عن حبي بمعطف يناسب عظمتك وعظمة حبي لك.




- سأنتظرك كل يوم ولن أمل أبدًا..




- سأحاول مرة أخرى - عبثًا - أن أعدل من المعطف.




- لن ألومك أن كل ليلة من دونك تزيدنيألمًا مبرحًا.




- لن أشكو أن كل يوم بعيدًا عنك عذاب فوق طاقتي.




- وسأظل أسأل حتى أحصل على جواب..




- وربما راجعت نفسي لأتخلص من حيرتي..




- ما الذي يستحق هذا البعاد كله؟




- هل أدى معطف الصوف ما أردته منه.. أم صار حاجز استعباد؟







بقلم الكاتبة المبدعة / candy

هناك 4 تعليقات:

مصطفى سيف الدين يقول...

هل المعطف هنا كان قيدا من الأمل؟ و هل يمكن ان يتحول الأمل الي قيد أم هو قيد للحب؟ أم انه قيد من الاستعباد
ربما كان قيد من ذلك لكن بالتأكيد هو قيد من وهم
وهم و سراب و حيوات كثيرة تجتاحك مخاوف و آلام
هل الأب بحاجة لمعطف آخر يتستر خلفه عن رؤية ابنته ام ان البنت بحاجة إلى معطف وهمي آخر تسقط فيه تقصيرها عن التعبير عن حب والدها
ربما هي رمزية و لكنني أراها حديث الصمت الذي يجتاح البيوت بين اب و بنته تتلاقى أعينهما بينما يخافان ان تتلاقى ألسنتهما لأنهما يشعران بأنهما بعيدين قولي لها أنه لا ينتظر منك معطف هو ينتظر منك قلبا و قولي له أنها فقط تنتظر ان تقتني لها معطف تقيها به برودة الحياة القاسية معطف يحتضنها أسمه ذراعيك

-----------------
القصة رائعة كم هو راقي لاقصى الحدود قلمك
اسعدتني القصة التي أثرت المعطف و أعطته قيمة أخرى

شمس النهار يقول...

جميلة جدا
ومختلفة عن كل قصص المعطف

ابراهيم رزق يقول...

اجول ايه و لا ايه و لا ايه

هى قصةاثنان يحبان و يعشقان بعضهما

كل يبحث عن سعادةالاخر من وجهة نظره
لكن لا يسال و لا يفهم من الاخر ماذا تريد منى
قصة قد تحدث بين اب وابنته او بين حبيب و حبيبته ام و ابنتها

هى معادلة لو تم حلها لارتاح كل البشر

بجد جميلة جدا و اضافت الكثير الى المعطف

تحياتى

سامى أبو سريع يقول...

رسمت احرفك باتقان ولونتها وكنت للروعة عنوان تقبل مرورى